في 25 أبريل 1953، ظهرت ورقة بحثية في الطبيعة تهدف إلى تحويل علوم الحياة من الكيمياء الحيوية والزراعة إلى الطب وعلم الوراثة، وقد أبلغ جيمس واتسون وفرانسيس كريك، ثم في جامعة كامبريدج، عن اكتشاف بنية الحمض النووي (حمض الديوكسي ريبونوكلييك) الجزيء الذي تتكون منه الجينات.

 

عملية اكتشاف الحمض النووي

 

بدأت ملحمة الحمض النووي في عام 1869، عندما عزل عالم الكيمياء الحيوية السويسري فريدريش ميشر مادة جديدة من نوى خلايا الدم البيضاء، كان الباحثون يدركون مؤخرًا أن الخلايا هي الوحدة الأساسية للحياة وكان ميشر مهتمًا بمكوناتها الكيميائية، وقد كان كل صباح يتصل بالعيادة المحلية لالتقاط الضمادات المتسخة، لأنه في الأيام التي سبقت المطهرات كانت تنقع في الصديد والذي يعتبر مصدر جيد لخلايا الدم البيضاء ذات النواة الكبيرة وقد أدت إضافة القلويات إلى انفجار نوى الخلية، وإطلاق محتوياتها، والتي استخلص منها Miescher الحمض النووي (الذي أطلق عليه اسم nuclein).

 

أظهر تحليل هذا النوكلين أنه حمض يحتوي على الفوسفور، لذلك لا يتناسب مع أي من المجموعات المعروفة للجزيئات البيولوجية، مثل الكربوهيدرات والبروتينات، وقد حسبت (Miescher) صيغتها على أنها (C29H49O22N9P3) وهو تقدير أقل من الواقع، مما يعكس حقيقة أن الحمض النووي هو جزيء طويل وهش يتفتت بسهولة، ويجب أن يكون (Miescher) قد استخدم أحد الأجزاء لتحديد الصيغة، وتم إعادة تسمية النوكلين بالحمض النووي، وعلى الرغم من حداثته الكيميائية، إلا أن أهميته البيولوجية لم تتحقق بالكامل لعدة عقود أخرى.

 

في غضون ذلك، وبفضل التطورات في الفحص المجهري، استمرت الخلية في الكشف عن أسرارها، وفي عام 1879 اكتشف عالم الأحياء الألماني “فالتر فليمنغ” تراكيب صغيرة تشبه الخيوط تسمى الكروماتين (عُرفت فيما بعد بالكروموسومات) داخل النواة، حيث أنها تمتص اللون بسهولة من البقع الجديدة المستخدمة للكشف عن المكونات الخلوية، وقد كانت الدراسات حول الانقسام الخلوي تكشف عن الدور الرئيسي الذي تلعبه الكروموسومات في الوراثة (كيف تتضاعف قبل أن تنقسم الخلية)، ثم تنقسم إلى مجموعتين، مع أخذ نسخة جديدة في كل خلية “ابنة”.

 

 تقدم التجارب في الحمض النووي

 

كان معروفًا أن اللبنات الأساسية للحمض النووي هي الفوسفات والسكر (الذي ظهر لاحقًا أنه ديوكسيريبوز) وأربعة قواعد حلقية غير متجانسة، حيث إن اثنان منها عبارة عن البيورينات (الأدينين (A) والجوانين (G)) بينما الاثنان الآخران كانت البيريميدينات (السيتوزين (C) والثايمين (T)).

 

كان “فيبوس ليفين”، من معهد “روكفلر” في نيويورك، والطالب السابق للكيميائي والملحن الروسي ألكسندر بورودين، الذي أظهر أن مكونات الحمض النووي مرتبطة بالترتيب الفوسفات السكر الأساس، وقد أطلق على كل من هذه الوحدات اسم نيوكليوتيد، بحجة أن جزيء الحمض النووي يتكون من سلسلة من وحدات النيوكليوتيدات المرتبطة ببعضها البعض من خلال مجموعات الفوسفات، والتي تعد “العمود الفقري” للجزيء.

تطور مفهوم الحمض النووي

 

كان ليفين مقتنعًا أيضًا بأن مقادير القواعد الأربعة هي نفسها في جميع جزيئات الحمض النووي بغض النظر عن أصلها، ولذلك حتى عندما أظهر الباحثان السويديان “توربيرين كاسبرسون” “وآينار هامرستن”، في ثلاثينيات القرن الماضي، أن الحمض النووي كان بوليمرًا، استمر معظم الناس في الإيمان بفرضية ليفين الرباعية النوكليوتيد، وحتى لو احتوى الحمض النووي على ملايين النيوكليوتيدات، فقد كان يُعتقد أنها مرتبة بطريقة رتيبة ويمكن التنبؤ بها ولا يمكن أن تحتوي على محتوى معلومات ذي معنى.

 

بدا الأمر أكثر فأكثر كما لو أن البروتينات يحمل الشفرة الجينية، بينما يلعب الحمض النووي دورًا داعمًا في الكروموسومات، وقد جاء انفراج من “أوزوالد أفيري” و”كولين ماكليود” و”ماكلين مكارتي”، وهم فريق من علماء الأحياء الدقيقة الطبيين في معهد روكفلر في نيويورك، ولقد كانوا يحاولون تحديد طبيعة “مبدأ التحول” وهي مادة اكتشفها عالم الأحياء الدقيقة الإنجليزي، “فريد جريفيث”، في عام 1928، وكان جريفيث يجرب نوعين من المكورات الرئوية، البكتيريا المسببة للالتهاب الرئوي. 

 

المرحلة الأخيرة من اكتشاف الحمض النووي

 

كان لدى العلماء الذين اكتشفوا الحمض النووي أن بنية الحمض النووي يجب أن تسمح للجزيء بنسخ نفسه أثناء انقسام الخلية، بحيث يمكن لنسخة طبق الأصل من شفرته والتي كانت مدمجة في الهيكل مرة أخرى أن تنتقل إلى كل خلية جديدة، ودفعت زيارة (Chargaff) إلى (Cavendish) في عام 1952 إلى مزيد من التفكير في أن تسلسل القواعد ربما يمثل الجينات في الكود الكيميائي، في غضون ذلك، نشر بولينج ورقة بحثية عن بنية الحمض النووي، لكنها احتوت على خطأ فادح.

 

وقد جاءت اللحظة الحاسمة عندما عرض ويلكنز على واطسون إحدى صور فرانكلين لما يسمى بالشكل (B) من الحمض النووي، استخدمت الدراسات السابقة الشكل (A)، والذي يحتوي على كمية أقل من الماء وأدى إلى صور يصعب تحليلها، وعلى النقيض من ذلك، كانت هذه الصورة واضحة ويبدو أنها تشير بوضوح إلى بنية حلزونية للجزيء، كما قال واتسون في مذكراته الشهيرة: “في اللحظة التي رأيت فيها الصورة، انفتح فمي وبدأ قلبي يتسابق”.