المخاطر المحتملة للثقافات في زمن العولمة:

في زمن العولمة لعل أهم ما يستوجب الأمر الانتباه، هو منحى التفكير الذي يقوم بدوره إلى تجريد ظاهرة العولمة عن كافة أمور سياستها التاريخية والثقافية وتصويرها إلى امتداد للسياسة الثقافية.

تعتبر عملية العولمة عبارة عن مجموعة من أمور التقدم العلمي والتكنولوجي المستمر منذ عقود زمنية طويلة، أي أنها ظاهرة موضوعية كونية شاملة لا يمكن ردها وإبطالها برغبة ذاتية، إنما المطلوب هو إجراء تكيف إيجابي لازم للتعاطي مع آلياتها ما يكفل دفع عملية التقدم الإنساني إلى الأمام وتقليص الأخطار الناتجة عنها.

طبيعة المخاطر التي تواجه الثقافة في زمن العولمة لا تتعلق بالأمور الثقافية والسياسية التي تخص الدولة، بقدر ما تتعلق بمقدرة هذه المخاطر الثقافية على تجاوز أزمتها الثقافية، خاصة فيما يتعلق بالتنمية الشاملة، وتوسيع إطار الديمقراطية وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني.

كذلك من أبرز المخاطر التي تحدق في الثقافات أنها تشجع على عدم تفعيل قيم الحوار التعددية وقبول الرأي والرأي الآخر، كذلك تمنع أمر توفير حرية البحث العلمي وإنشاء منظومة تربوية تقوم على تأهيل وإعداد بوادر التعليم عالية المهارات، وتحطم قيم الاحترام المتلقي ومنع توفير وسائل تمكنه من الاستيعاب الناقد للمعلومات والآراء والإبداع والأفكار، واختصار الزمن في مناهجها التعليمة وتخفيض العنان للطاقات الشابة.

الثقافة وخصوصية الشعوب:

كذلك تعبر الثقافة عن خصوصية الشعوب ضد ما يسمى بالثقافة العالمية، التي غالباً ما تكون في العادة نابعة من الثقافة الغربية، وضد شمولية العالم الذي ينتمي في العادة أيضاً إلى العالم الغربي؛ نظراً لأن الثقافة المعاصرة والعلم الحديث قد ظهرا في عصر الريادة الأوروبية في القرون الخمسة الأخيرة، وبالتالي فهي قادرة على حماية الشعوب من هيمنة الثقافة.

كذلك خصوصيات الثقافة لا تقضي على وجود جزر منعزلة من غير ارتباط بينها أو اتصال ثقافي، فهناك الترجمة والنقل بين الثقافات وتبادل الألفاظ واستعاراتها، وقد حدث ذلك بين الثقافة الحضارية والثقافة اليونانية والفارسية والهندية القديمة، كما أن تشابه الأمثال مما يدل على وجود طبيعة بشرية واحدة وراء الرصيد الإنساني المشترك فيها، كذلك مع وجوب وجود وسائل نقل ثقافية، محكومة بمستوى التجارب البشرية المشتركة ووحدة الطبيعة الإنسانية وتجانسها عبر الزمان.