هناك عدة عوامل أدت إلى قيام الثورة في فرنسا، ومن تلك العوامل النظام الملكي والذي كان له الدور الأكبر في قيام الثورة الفرنسية.

النظام الملكي الفرنسي وأثره في الثورة الفرنسية:

في القرن الثامن عشر ميلادي وقبل الثورة بيوم كانت الملكية الفرنسية لا تزال تستند إلى الأسس والمفاهيم التي أقامها الملك ووزيره “ريشيليو”، حيث أنها كانت قوة مطلقة ونافذة للسلطان، ومحررة من أي قيد أو رقابة، فالملك كان يتصرف على أنه يستمد قوته وسلطانه من الله، وكان يعتبر أنه غير ملزم بأن يقدم حساباً عن تصرفاته إلا لله عز وجل.


ومن هنا كان الملك يعتبر نفسه المصدر الرئيسي لكل التشريعات والقوانين، حيث كان يرفض أن تشاركه أية هيئة شعبية أخرى في التشريع أو التنفيذ، فهو يعتبر نفسه المرجع الاول والأخير في الدولة، والاستبداد كان حقاً من حقوقه المعترف فيها في التقاليد السياسية الفرنسية القديمة، والحريات الشخصية والدينية والسياسية، ما لم تكن معترفاً بها في التقاليد، وإذا وجدت في التقاليد الفرنسية القديمة، داخل حدود سلطان الملك، فإنها تحولت إلى مجرد شكلية وليست فعلية، منذ عهد ريشيليو.


ومنذ العصور القديمة كانت المحاكم العليا والتي كان يطلق عليها اسم البرلمان، تمارس سلطة الرقابة على القوانين التي يصدرها العرش الفرنسي، فكان الحق للمحاكم أن تناقش القوانين الصادرة، وأن تدرسها أو تدرجها في سجلاتها المحلية، وقامت فرنساء بإصدار المحاكم من أجل حماية المواطنين من إمكانية صدور القوانين الظالمة بحقهم.


كما قامت المحاكم من حد عمل ريشيليو من سلطانها لدرجة كبيرة؛ لكي لا تكون قادرة على مناقشة سلطان الملكية كما أراده، ومنذ ذلك الوقت فقدت أهميتها وأصبحت غير قادرة إطلاقاً على مجابهة العرش، وكما تم رفض ما وصل إليها من تشريعات وقوانين، إلا أن المناقشات والدراسات والتي كانت تسبق تسجيل القوانين، والتي كانت تساعد إلى حد كبير على كشف عورات الدولة ونظمها وقوانينها.


وقد أعطت تلك المناقشات والتي كان يتم إجراؤها بشكل اعتيادي ممتازة زمن لويس السادس، وذلك حين أخذ أعضاء هؤلاء المحاكم وجلهم من البرجوازيين المثقفين يتصدون للقوانين الفرنسية، ويعملوا على مناقشتها ويظهرون ما في طيّاتها من مساوئ ومظالم بالنسبة للمواطنين من أبناء الطبقة الثالثة.



وقد كان يساعد الملك في الإشراف على شؤون فرنسا، وإدارة الحكومة على درجة عالية من التخلف والرجعية، ويمكن اعتبار تلك الفترة امتداد فترة العصور الوسطى، وذلك بما فيها من امتيازات طبقية، لم يعد لها في القرن الثامن عشر ميلادي، فقد كانت البلاد مقسمة إلى وحدات إدارية، وكانت تلك الوحدات تشبه إلى حد كبير صورة الإقطاعات القديمة، التي انتقل نفوذ سيادتها إلى العرش وبقيت حدودها وصورها الجغرافية حتى عصر الثورة.


ولم تكن تلك التقسيمات تراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي والجغرافي للسكان، حيث أن كان لكل واحدة من الأقاليم جمعياتها التشريعية والميزات الخاصة بها، والتي كانت تختلف عن ميزات الجمعيات الأخرى، وبذلك كان لكل إقليم قوانينه ونظمه الخاصة المستقلة في المقاييس والضرائب والجمارك والموازين، كما كان يتم عرقلة نمو التجارة وتطورها بين الولايات من جهة بينها وبين الخارج، والعمل على عدم قيام وحدة اقتصادية متماسكة تضم مختلف أقاليم فرنسا.


والذي كان يزيد في مساوئ هذا النظام، كون السلطة المركزية كانت ممثلة في الأقاليم فقط بموظف “وكيل الملك”، والتي كانت له من أيام ريشيليو، والذي كانت له صلاحيات واسعة للغاية، يستعملها في أكثر الحالات في جمع الضرائب المقررة لصالح العرش والحكومة المركزية؛ ممّا كان يجعل وجه من يشغل ذلك المنصب بغيضاً في نظر الفلاحين.


وقبل قيام الثورة الفرنسية بخمسة عشر عاماً، ارتقى عرش البوربون لويس السادس عشر والذي لم يجعله سئياً لدرجة أنه يدفع ثمن أخطاء كا سبقه من الملوك الفرنسيين، فقد كان رجلاً فاضلاً ومتديناً، إلا أنه كان قليل الذكاء وضعيف الشخصية، وقد كان أضعف من أن يقوم بأمور فرنسا، وتلك الفترة التي كانت فيها فرنسا في محنه وأزمات.


وقد حكمت فرنسا في ذلك الوقت الملكة “ماري انطوانيت” والتي كانت ابنة أمبراطورة النمسا “ماري تيريزا”، والتي كانت صاحبة طموح وشخصية قوية، وقد تحكمت به وكان يدفع ثمن أخطائها المتكررة، وخصوصاً سبب أن أصلها النمساوي لم تكن مرغوبة لدى الفرنسيين، كما قام أعوانه فترة حكمه في البحث على مصالحهم الشخصية؛ وذلك من أجل الوصول إلى العرش، وقد حصل بعض أبناء فرنسا على درجة تعليم وثقافة عالية، ورأوا من الضروري تغيير الفساد الموجود في فرنسا.