تمر المجتمعات في العصر الحالي بتغيرات جذرية نتيجة التطور في تقنية المعلومات، خاصة قضية العولمة، بوصفها أكثر القضايا جدلاً، والتحدي الأصعب أمام النموذج المجتمعي القائم على سياسة مركزية الدولة.

 

علم الاجتماع السياسي المعاصر

 

من العسير على السياسة التحكم في انتقال البضائع والخدمات والتقنية والإنتاج الإعلامي والمعلومات عبر حدود الدول، مما زاد من حرص الدولة على تسييس قدراتها للتمتع بقدر من الاستقلالية في وضع أهدافها الداخلية وسياساتها الدولية، لتقوى بذلك شوكة السلطة السياسية للدولة والقادرة على وضع القواعد واللوائح التنظيمية والسياسات داخل الحدود الجغرافية للدولة حتى يتنسى لها فرض سيطرتها على عمليات العولمة.

 

ينبثق عن مفهوم تدويل الأمة، عدد من الأسئلة الشائكة حول الفروض النظرية التي يتشكل وفقها المجتمع في علم الاجتماع السياسي المعاصر، والتي يعد التشابه والتجانس فيما بين الدولة والأمة والحدود القومية الجغرافية لها أبرز تلك الفروض.

 

ظاهرة العولمة في علم الاجتماع السياسي المعاصر

 

لقد فرضت التغيرات الفعلية التي صاحبت ظاهرة العولمة إشكالية ومعضلة كبرى أمام المفهوم المحوري في علم الاجتماع، ألا وهو مصطلح المجتمع، وذلك عندما نقضت العولمة غزل العمليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي طالما تمتعت بقدر كبير من التماسك داخل الحدود الجغرافية التي منحت المجتمعات استقلاليتها وقوميتها.

 

فلم يعد هناك مجال لوجود ما أسماه أولريتش بيك القومية المنهجية، والذي يعني به وجود مجتمعات مستقلة داخل حدود جغرافية، ولقد كان من الصعب في السابق استيعاب فكرة الإمبراطوريات الكبرى وما يترتب عليها من وجود مراكز تربط كافة أنحائها، ثم ظهور الدول المستقلة في مرحلة ما بعد الاستعمار.

 

وفي ظل العولمة يجب أن يعاد النظر في الحياة الاجتماعية التي باتت مكونة من عدد من الشبكات والهويات متعددة الأبعاد والطبقات، وأن يتم التعامل مع السلطة والسياسة على أنهما من أبعاد الحياة الاجتماعية، وليستا مؤسستين داخل المجتمع الذي يحكمه جهة واحدة مثلما كان في النظام الماركسي.

 

أو بمنظور واحد لا يتغير وفق نظرية ماكس فيبر، أو بكيان وظيفي اجتماعي واحد كما رأى دور كايم، أي أن العولمة قد أثارت الجدل حول القضايا التي تستدعي وجود آفاق أرحب للتعامل مع قضايا السلطة والسياسة، بعيداً عن الأطر النظرية الكلاسيكية ضيقة الأفق التي سادت علم الاجتماع السياسي في السابق.