نظر عدد من الباحثين إلى الارتباط بين التحوّل البنيوي والصراعات الحديثة من حيث منظور آخر، فقد شدّدوا على أن التحوّلات الاجتماعية أنتجت شريحة اجتماعية حديثة، وهي تلك التي تسمى الطبقة الوسطى الجديدة.

 

ما هي الطبقات الوسطى للحركات الاجتماعية الجديدة

 

تنص هذه النظرة على أن الطبقة الوسطى الجديدة يمكنها أداء دور محوري في التنازعات الحديثة، نظراً لوضعيتها وما تسيطر عليه من موارد، وهي الحقيقة نفسها التي ظهرت عنها التحليلات المحددة بالمجتمع ما بعد الصناعي منذ وقت طويل، فقد أزاحت هذه التحليلات الستار عن تكوين مجموعات اجتماعية تتفوق عن الطبقات الوسطى التقليدية بالمستوى التعليمي الذي يمتاز به أعضاؤها والمكانات التي يؤدّونها ومكانتهم الاجتماعية المعينة، بالتوازي مع تقدم القطاع الإداري الخدمي في المجتمع.

 

كشفت تلك التحليلات أن الطبقة الوسطى الحديثة تتألف من قطاعات سكانية ممن يرغبون بالعادة إلى العمل في القطاع الخدمي، فأشخاص تلك القطاعات يتميزون بمستوى تعليمي عالي، لكنهم لا يترفعون لمرتبة المديرين أو المهنيين التقليديين.

 

ونتيجة لخبرتهم الفنية والثقافية ومركزهم الاقتصادي الوظيفي، أحياناً ما يحتشد أعضاء الطقة الوسطى الحديثة في ذلك النوع الجديد من التنازعات التي تتمثل التنازع ضد التكنوقراط، والهيئات العامة والخاصة التي تضطلع بنشر المعلومات وتكوين التوافق، والمؤسسة العسكرية، والأجهزة المسؤولة عن الرقابة الاجتماعية.

 

وقد طرحت تلك القضية في مناسبات عديدة أثناء السنوات الأخيرة، وسط تأكيد الكثير من الدراسات على الوجود الدائم للطبقة الوسطى الجديدة بين المتعاطفين مع الحركات الاجتماعية الجديدة والناشطين في إطارها.

 

علاقة الطبقة الوسطى الجديدة مع الحركات الاجتماعية

 

غير أنه ليس مفهوماً لنا ما إذا كانت الارتباط بين الطبقة الوسطة والحركات الاجتماعية الجديدة وأنماط التنازع الجديد تشير بالفعل على وجود قاعدة بنيوية معينة لتلك الأنماط من التنازع، فالوجود الجماعي للطبقة الوسطى الحديثة في الحركات الاحتجاجية قد لا يغير في الواقع إلى النزوع التقليدي للطبقة الوسطى الواعية والمدركة إلى المشاركة في أي نوع من التنازع، وهي نزعة تنشأ عن ثقتهم المتزايدة في حقوقهم الخاصة وإمكانيتهم على الجهر بآرائهم والمشاركة في الحياة السياسية.

 

وانطلاقاً من هذا المنظور، فإن الدليل على وجود تعارضات بنيوية معينة في قاعدة التنازعات الجديدة تفتقر نوعاً ما إلى الاتساق، غاية الأمرض أن الولاء إلى الطبقة الوسطى ييسر من جانب، الاشراف بمسائل مناسبة في عمومها للمشاركة العامة، ويضع تحت تصرف الشخص، من جانب آخر، موارد وخبرات فردية يمكن بذلها في جميع أنماط الفعل السياسي.