اقرأ في هذا المقال

نشأة وتطور الثقافة العالمية:

 

يذهب المؤلفان الروسيان (دينيس تشيكاليوف وفيلاديمير كوندراشوف) في كتابهما الموسوعي “تاريخ الثقافة العالمية” الذي تم العمل على نقله من اللغة الروسية إلى العربية، إلى عرض كامل ومفصّل لكافة الأعمال العريقة الماضية التي واكبت تكوين وتقدم الثقافة، مؤرخين للثقافات العالمية منذ الثقافة البدائية فالثقافة المصرية القديمة ثم الهندية والصينية وأمريكا الوسطى واليونانية والرومانية والبيزنطية، فالثقافة العربية وثقافة أوروبا في القرون الوسطى وثقافة بلاد ما بين النهرين، وانتهاءً بثقافة الأزمنة الحديثة.

 

وهما أثناء ذلك يعملان على منح صورة لهذه الثقافة أو تلك مادياً وروحياً، وأبرز علمائها وكتابها ومنجزاتها عامة للثقافة الإنسانية، لذلك جاءت فصول الكتاب مرتّبة وفقاً للتسلسل الزمني لمحطات تاريخ البشرية.

 

يبدأ الكاتبان الكتابة بمحاولة تكوين مفهوم للثقافة، حيث تنوعت رؤى الباحثين والعلماء في تعريفها متجهين إلى أن مصطلح الثقافة يضم النشاط الفعل والاستمرارية والتراكم والتجميع.

 

فيما يختص بالمفهوم الأخير تجدر الإشارة إلى أن الخبرة المهمة اجتماعياً تعتبر منهج النشاط البشري. وهي لا تُنقَل فقط، وإنما تتراكم أيضاً، لذلك فعملية التنمية الثقافية تحمل طابعاً تراكمياً. وتعتبر الخبرة والتقاليد الماضية والابتكار الحاضر، عناصر مهمة للثقافة. إذن تفترض الثقافة نقلا غير جيني للخبرة من فرد إلى آخر. وينبغي أن تكون هذه الخبرة مثبتة في بنى مادية غير بيولوجية مثل الكتب أو الرسوم الصخرية.

 

كما تحدث الكاتبان عن إنجازات حضارات العرب التي أثرت في المراكز الثقافية في أوروبا في القرون الوسطى فترة طويلة من الزمن، كانت اللغة العربية هي السائدة في العالم الإسلامي، ووفقاً للتعاليم فقد حظرت لفترة طويلة ترجمة الكتاب المقدس إلى لغات أخرى، لأنه يجب على جميع المسلمين المتعلمين معرفة اللغة العربية التي نقشت فيها كلمات القرآن الكريم.

 

مشيراً إلى أن دراسات علماء العربي الإسلامي أصبح مركزاً للعلم والفلسفة، كالعالم الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد وابن جبيرول وابن ميمون، وحظي النشاط العلمي في البلدان الإسلامية في فترة القرن الثامن والقرن الثاني عشر، بالتقدير العالمي، نظرا لاعتباره وسيلة للارتقاء بالإنسان من الناحية الأخلاقية. وحصلت العلوم الطبيعية تدريجياً على الاستقلال في علاقتها مع الدين.

 

وكما توجه الكاتبان إلى أن الهند القديمة تنتمي إلى البلدان ذات الثقافة العالية، فالهنود القدماء كانوا على دراية بعلم الفلك، إذ بقيت أدلة على أن عالماً هندياً قديماً خلص بشكل مستقل إلى استنتاج أن لدى كل من الشمس والأرض محوراً خاصاً للدوران، وكان لدى الهنود كتابة تقوم على 50 رمزاً، وهي أسهل من المسمارية أو الهيروغليفية. وكان النحو واحداً من أهم العلوم التي قدسها الهنود.

 

وفي بلاد الهند الماضية صممت الأرقام التي اعتدنا تسميتها بالعربية، بيد أن العرب اقتبسوها من الهنود، وعن طريق العرب عرفتها الشعوب الأخرى، كما اخترع الهنود لعبة الشطرنج. وفي الهند القديمة شيدت المباني الرائعة، والتماثيل الجميلة للحيوانات والبشر.

 

وظهرت الهند دائماً مليئة بالرقصات والأغاني، وكان لدى الهنود أدب غني ومتنوع، فقد حفظ كتاب الإرشادات والنصائح والحكمة، وكان يسمى الكتاب التعليمي للأمراء، هذه هي مجموعة من القصص من 5 كتب “بانتشلتانترا” كليلة ودمنة وتعود النسخة الأولى إلى القرن الرابع قبل الميلاد، فضلاً عن كتب الغربان والبوم وفقدان المكتسب والسلوك الطائش والملاحم مثل ماهاربهاراتا ورامايانا.

 

وتم التحدث عن النزعة الوحيدة التي تعتبر الصفة المميزة لثقافتنا اليوم، ففي حالة ما بعد الحداثة، لا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، إذا كان كل واحد منا يؤلف السرديات الصغرى لنفسه وللحالة الموجودة، ويعيش كل واحد منا على تقاطعات مسارات العديد من هذه الجزئيات، إن سقوط سمعة التقاليد هو نفسه تناثر السرديات الكبرى، والفردية مرتبطة مباشرةً مع ضرورة توليف السرديات الصغرى.

 

وبالاعتماد عليه مرة أخرى يمكننا أن نرى العلاقة الوثيقة لما بعد الحداثة كاتجاه في الوعي الثقافي الذاتي مع تطور العلم والصناعة، وكذلك مع الفردية كسمة مميزة لثقافة أيامنا.

 

إن أي شخص لديه حالة ما بعد الحداثة التي تهدف إلى أغراض عملية بحتة يفتقر إلى أية حوافز لرؤية الشخص الآخر أكثر من كونه أداة لبلوغ أهدافه ويصبح من الواضح أنه ينبغي أن يقود الدافع الأخلاقي الإنسان هنا، أيضاً ونرى تناقضاً آخر بين المطالب التي يوجهها المجتمع إلى الإنسان في حالة من الحداثة والمواقف الأخلاقية لوجود الفرد.