الصراع بين المعنى والقياس عند دراسة الظواهر الاجتماعية:

 

يشير كثير من الباحثين إلى أن محاولة إضفاء الطابع العلمي على علم الاجتماع والدراسات الاجتماعية من خلال استخدام الأساليب الرياضية والتحليلات الإحصائية والحسابات الإلكترونية، من شأنها أن تفقد الظواهر الاجتماعية معناها الثقافي وبالتالي مميزاً للعلوم الاجتماعية يجعلها تختلف تماماً عن كافة العلوم الأخرى.

 

وهو عنصر المعنى، حيث يجب على الباحث السوسيولوجي أن يتفهم معنى الظواهر والأفعال الاجتماعية، تفهماً ذاتياً وألا يكتفي بدراستها من الخارج كما يفعل عالم الطبيعة أو الكيمياء، وهكذا إذا كانت الملاحظة والوصف وسيلة كافية للدراسة في مجال العلوم الطبيعية، فإنها وسيلة غير كافية عند دراسة الظواهر الاجتماعية التي تقتضي دراستها محاولة التعرف على ما وراء الظاهرة أو الفعل من أهداف ودوافع ومحركات ذاتية.

 

وإذا كانت دراسة الظواهر الطبيعية تتحقق من الخارج فقط، فإن دراسة الظواهر الاجتماعية يجب أن تتحقق من الخارج والداخل معاً، أو من خلال الملاحظة والوصف والفهم الذاتي في نفس الوقت، فعندما نحاول دراسة بعض الظواهر الاجتماعية مثل سقوط بعض الحكومات، أو قيام بعض العمال بالإضراب، أو انخفاض معدل المواليد، أو ارتفاع معدل الطلاق، فإننا لا يمكننا الاقتصار على محاولة الفهم من الخارج أو على السرد والوصف اعتماداً على الملاحظة وحدها.

 

كما يحدث عندما نقوم بدراسة بعض الظواهر الطبيعية مثل سقوط الشهب أو دوران القمر حول الأرض أو حركة التفاعل بين بعض المواد الكيميائية أو الدورة داخل الكائن العضوي، فالوقوف على سبب الإضراب مثلاً لا يتحقق من خلال الملاحظة فحسب؛ ﻷنه يقتضي تفهم العوامل الدافعة إليه من وجهة نظر العمال المضربين أنفسهم، وتفهم تطلعاتهم وآمالهم وأهدافهم ومشكلاتهم وتصوراتهم، ولمعرفة هذه المتغيرات لا بدّ على الباحث أن يتصور نفسه في وضع هؤلاء العمال، حتى يتمكن من الفهم الذاتي لهذه المتغيرات.

 

الفعل الاجتماعي عند فيبر وسوركين في علم الاجتماع:

 

فالفعل الاجتماعي الذي هو موضوع علم الاجتماع عند فيبر يتضمن معنى داخلياً ويعتمد على مجموعة من الدوافع والغايات، وقد عبر سوركين عن معنى مماثل في دراسة له بعنوان، الخرافات الخزعبلات في علم الاجتماع الحديث، فقد أشار إلى أن الإسراف في استخدام الأساليب الرياضية والإحصائية في معالجة موضوعات على الاجتماع، وقعت الكثير من الباحثين فيما أسماه جنون الكم، أو هوس العدد، ذلك ﻷنه جعلهم يتغافلون عن معنى العلاقات والتفاعلات الاجتماعية.

 

فالعلاقات والتفاعلات بين الإنسان، أو بينه وبين الجماعة هي علاقات ذات معنى، ويؤكد سوركين أن لا يمكن لنا تفهم الطبيعة الجوهرية للظواهر الاجتماعية والاختلافات بينهما، مثل الاختلاف بين عصابة من المجرمين، وبين كتيبة محاربة أو بين الأسرة المفككة والأسر المتماسكة، إلا من خلال الاتصال الوجداني المباشر.

 

ولا شك في أن هناك قدراً من الصدق في آراء كل من فيبر وسوركين، فالاعتماد الكلي على نتائج الدراسات الإحصائية لا يمكن أن يعطينا فكرة عن الواقع الاجتماعي الثقافي للمجتمع، أو يجعلنا نفتقد المعاني التي تكمن خلف الأرقام والنسب، ولكن هذا لا يعني خلو منهج فيبر في الفهم من المآخذ، فالأخذ بهذا المنهج يتيح الفرصة لإصدار أحكام القيمة ولظهور الانحياز والذاتية والتفسيرات الشخصية.

 

جهود الباحثين في التدليل على إمكانية تطبيق الأساليب الكمية في دراسة الظواهر الاجتماعية:

 

ظهرت مجموعة من الباحثين الاجتماعيين حاولت التدليل على إمكانية تطبيق الأساليب الكمية في دراسة الظواهر والعلاقات الاجتماعية، ومثال ذلك أعمال روبرت بيلز وكلوكون وأنصار القياس الاجتماعي أو السوسيومتري، فقد استطاع بيلز على سبيل المثال، أن يتوصل إلى أسلوب معين لتحليل عملية التفاعل، فكوّن مجموعتين من الجماعات النقاشية من بين طلبة جامعة هافارد، بطريقة عشوائية وكانت كل جماعة تتألف من خمسة أعضاء، ويناقش كل منهما نفس الموضوع.

 

وتتم المناقشة داخل معمل يوجد به مرآة ذات اتجاهين، تمكن الملاحظين من تسجيل كل فعل يقوم به أي عضو من أعضاء الجماعة، وبعد أن يتم التسجيل تصنف هذه الأفعال داخل فئات معينة للتفاعل حددها بثنتي عشرة فئة، وتستمر هذه المناقشات لمدة ساعة هي زمن التجربة وبعدها يقوم الملاحظون بإعداد بروفيل الجماعة، الذي يعبر عن طبيعة التفاعلات داخلها والروح المعنوية السائدة بين أعضائها.

 

وهذا النموذج الكمي في الدراسة يمكن أن يكشف لنا عن عدة جوانب داخل كل جماعة، مثل المزاج أو طبيعة الجو السائد داخل كل منها، صراع أو تعاون والروح والمعنوية للأعضاء، رضاؤهم عن الجماعة والمناقشة أو عدم رضائهم ومدى تماسكها.

 

ويمكن للجداول الإحصائية أن تعطينا فكرة عن جماعتين متقابلتين، اعتماداً على قياس أربع متغيرات هي المشاركة في الأسئلة والإجابة، وخفض التوتر وإظهار الموافقة، أو إظهار العداء والصراع، وتقاس الروح المعنوية هنا بمدى رضاء أعضاء الجماعة عن مشاركتهم، ومدى تعبيرهم عن المشاعر الإيجابية تجاه بقية أعضاء الجماعة، ومدى رغبتهم في الاستمرار في العمل مع نفس أعضاء الجماعة.