مقدمات نشوب الثورة العربية الكبرى:

 

في عام 1333/ 1915 ميلادي قامت بريطانيا في البدء في المفاوضات مع الشريف حسين في وقت كانت به تخوض الحرب العالمية ضد الألمان والأتراك، بحيث كانت تلك المفاوضات تتمحور حول التعجيل في إعلان الثورة، فقامت بإرسال مجموعة من الوفود، حاملين له رسائل متعددة تتعلق بوعودها بتأسيس دولة عربية مستقلة تحت أمره عند انتهاء الحرب.

 

بعد ذلك قامت بريطانيا في إرسال أحد أبرز قيادات الإنجليز في ذلك الوقت، وهو المعروف في لورنس العرب، والذي استمر في عملية محاولته تطويع الشريف حسين بالاستعجال بقيام الثورة، ولكن الشريف حسين رفض القيام بأي تحرك عسكري، إلا عندما يصل إلى اتفاق مع بريطانيا، ليستفهم عن معلومات وتفاصيل الدولة العربية التي سوف تقوم بعد الأتراك، وما هي حدودها وما هي المناطق التي ستدخل تحت سيطرتهم.

 

في تلك الفترة أخذت بريطانيا تؤخر في عملية تزويد الشريف حسين بتلك المعلومات التي طلب منهم توضيحها، بحيث صمم الشريف حسين على موقفه بعدم التحرك بالثورة حتى يتلقى جواباً واضحاً لجميع الأسئلة التي قام بطرحها، فقدمت أخيراً بريطانيا توضيحا له ينص على إن بريطانيا أعلنت له أنّ جنوب اليمن وإمارات الخليج تستمر تحت نفوذ بريطانيا، ولن تنضم إلى الدولة العربية المقترحة.

 

وأما جنوب العراق فسيكون له وضع إداري مختص يتبع بريطانيا، وأما مناطق غرب الشام باستثناء لبنان ولم تكن تسمي لبنان في ذلك الوقت، فتعود إلى الشريف حسين، وكان سبب استثناء بريطانيا للبنان هو وجود عدد كبير من النصارى فيها، بحيث رغبت أن يكون لبنان موطن لهم، وكان موقف الشريف حسين في إطار ذلك هو عدم اعتراضه على تلك الإيضاحات، إلا فيما يخص لبنان، حيث أصر على بقائها ضمن المنطقة العربية، وتحت السيطرة العربية لكونها تقع في قلب المنطقة.

 

في تلك الفترة قامت بريطانيا بطلب تأجيل المناقشات في تلك المسائل إلى وقت انتهاء الثورة والقضاء على الوجود التركي في المنطقة، ثم إنّ بريطانيا ومن خلال اللورنس العربي طلبت عملية الاستعجال بإعلان الثورة مرة أخرى، في وقت كانت تقوم بمباحثاتها مع الشريف حسين، بحيث كانت تخطط لأمر ما دون علم الطرف العربي بذلك.

 

إعلان الثورة العربية الكبرى:

 

في الموافق من عام 1334/ 1916 ميلادي، وفي وقت تم به عقد اتفاقية سايكس بيكو، وافق الشريف حسين على عملية إعلان الثورة، بحيث وقع ذلك من خلال تحالف بين العرب والإنجليز ضد الدولة العثمانية بشكل علني، وفي تلك الفترة تمكن لورنس العرب من ترتيب جميع الأمور المتعلقة بإعلان الثورة، من خلال التنسيق مع المخابرات البريطانية.

 

قامت الجمعيات العربية التي تتواجد في بلاد الشام بتأييدها للثورة، وكان من أبرز تلك الجمعيات الجمعية العربية الفتاة، وعدد كبير من الرموز العربية والدينية في العالم العربي، وفي ظل الظلم الترکي المحكوم باليهود وانحرافات الحكومات التركية ومناهضتها وتغييرها وتحريفها للشريعة الإسلامية، قامت الشعوب العربية بالدخول في الثورة.

 

في تلك الفترة كانوا العرب على علم بأصل جمعية الاتحاد والترقي التركية، التي كانت تقع تحت سيطرة الماسونيون ويهود الدونمة الذين فتحوا باب الهجرة أمام اليهود، لم يكن أمر الثورة مستغرباً على المسلمين والعرب، غير أنّ الخطأ الكبير الذي وقع فيه العرب هو ثقتهم في بريطانيا وأملهم بها لتعطيهم الحرية من الأتراك، ولكنها كانت في الوقت نفسه تخطط لاحتلال الأرض العربية.

 

لم تستمر اتفاقية سايكس بيكو سرية لفترة طويلة، فقد تمكنت الصحف المصرية أن تكشف هذه الاتفاقية وقامت بالإعلان عنها، بحيث أُصيب العرب بصدمة كبيرة من ذلك، فقد كانت الثورة العربية قد بدأت، في تلك الفترة أرسلت بريطانيا إلى الشريف حسين تطمئنه وتنفي كلام الصحف المصرية، غير أنّ الشريف حسين لم يكن يثق في صدق هذا الكلام؛ لأنه كان قد بدأ الثورة ضد الأتراك، ولا مجال للتراجع بعد إعلان الثورة.

 

تحركت الثورة، وتمكن لورنس العرب مع مجموعة من الجيوش العربية بقيادة الشريف فيصل بن الشريف حسين أن يتوجهوا إلى الصحراء العربية، بحيث انضمت إليهم مجموعة من القبائل العربية المسلحة، فقامت بمهاجمة ميناء العقبة، الذي كان يقع تحت سيطرة الأتراك، وكان يشكل العائق الأساسي أمام دخول الإنجليز الذين سيطروا على مصر في ذلك الوقت بعد انتهاء معركة العلمين.

 

وكانوا يرغبون في احتلال فلسطين والشام، لكن الأتراك تصدوا لهم، وكان العقل الأساسي للأتراك هو العقبة، فقد تم الهجوم على العقبة من جهة البر، ولم يتوقع الأتراك بأن يتم الهجوم عليهم من الصحراء خلفهم وسقطت العقبة في يد الثورة.