ومن المعاني (الشرف) ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ}صدق الله العظيم، ومنها التنزيل ، منها قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِیلُ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الشعراء ١٩٢]صدق الله العظيم ، وهو عربي خالص كذلك يشعر بأنّه وحي يوحى، ويتنزل على قلب الرسول الكريم، وهذه الأسماء هي الشائعة المشهورة، غير أنّ بعضهم بالغ في تعداد ألقاب القرآن، حتى ذكر منها الزركشي خمسة وخمسين نقلا عن العلماء، ولا ريب أنّه خلط فيها بين التسمية والوصف.

وهناك الكثير من آسماء القرآن مثال ذلك “العلي” لقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}صدق الله العظيم ، ومنها “المجيد” لقوله تعالى: {ربَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ}صدق الله العظيم، ومنها “العزيز” لقوله: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز}صدق الله العظيم، ومنها العربي، لقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا}صدق الله العظيم، وقد بلغ بعض العلماء بأسماء القرآن نيفا وتسعين، والقرآن بأي اسم سميته هو الكلام المعجز المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف، المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته، وتعريف القرآن على هذا الوجه متفق عليه بين الأصوليين والفقهاء وعلماء العربية.

ظاهرة الوحي:

لم يكن سيدنا محمد عليه السلام، بدعاً من المرسلين ولا كان أول نبي خاطب الناس باسم الوحي، وحدثهم بحديث السماء، فمن زمن – سيدنا نوح عليه السلام – نوح تتابع أفراد مصطفون أخيار ينطقون عن الله ولا ينطقون عن الهوى، ولم يكن الوحي الذي أيدهم به الله مخالفا الوحي الذي أيد به محمدًا، بل كانت ظاهرة الوحي متماثلة عند الجميع، لأنّ مصدرها واحد، وغايتها واحدة، كما قال الله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}صدق الله العظيم.

ومن الواضح أن الأنبياء الذين ذكرتهم الآية بأسمائهم إنما خصوا لأنهم كانوا أشهر أنبياء بني إسرائيل وكانت أخبارهم مشهورة بين أهل الكتاب المجاورين لرسول الله عليه الصلاة والسلام في الحجاز وما حوله، لذلك حرص القرآن على تسمية ما نزل على قلب سيدنا محمد وحيا، ليشابه مدلول الوحي بين جميع النبيين تشابه اللفظ الدال عليه، فقال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}صدق الله العظيم وقال تعالى : {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}.

كذلك ما جاء في قوله تعالى: : {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي}صدق الله العظيم ؛ ثمّ أنكر على العقلاء توهمهم، أن في الوحي عجباً عجابا فقال: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ}صدق الله العظيم، هل كان للمنطق أن يقضي بأن اشتراك الناس في البشرية يمنع اختصاص الله واحدا منهم بما شاء من العلم والحكمة والإيمان؟ وهل كان للمنطق أن يعد هذا الاختصاص أعجوبة حتى تفكه الناس باستغراب ما فيه من نكر، ورأى فيه أهل الكفر ما يشبه عمل السحر؟


الوحي الذي لا ينبغي أن نتعجب من أمره ، لا بد أن يكون إدراكه سهلاً ميسراً خالياً من التعقيد، فما حقيقة هذا الوحي في نظر الدين؟ وما مدى التشابه بين ظاهرته عند سيدنا محمد وعند سائر النبيين، حين سمى الدين هذا الضرب من الإعلام الخفي السريع “وحيا” لم يبتعد عن المعنى اللغوي الأصلي لمادة الوحي والإيحاء: فمنه الإلهام الفطري للإنسان، كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ}صدق الله العظيم وقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}صدق الله العظيم ومنه الإلهام الغريزي للحيوان كالذي في قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} .

ومن أمثلة ذلك ، الإشارة التي تكون سريعة كالرمز والإيماء، كما في جاء في قوله تعالى في التحدث عن سيدنا زكريا عليه السلام: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}صدق الله العظيم ، والمعروف في تفسيرها أنّ زكريا أشار إليهم إشارة وحية سريعة ولم يتكلم، ومنه الإيماء بالجوارح ، وعليه قال الشاعر:
نظرت إليها نظرة فتحيرت

دقائق فكري في بديع صفاته

فأوحى إليها الطرف أنّي أحبها

فأثّر ذاك الوحي في وجناتها.


وقد تكلم القرآن في الوحي عن تزيين الشيطان ووسواسه، وخواطر الشر للإنسان، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}صدق الله العظيم، وقال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ}صدق الله العظيم، مثلما عبر بالوحي أيضا عما يلقيه الله إلى الملائكة من أمره ليفعلوه من فورهم، كقوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}، أمّا تعبيره بالوحي عمّا يكلف الله الملك حمله إلى النبي من آيات كتبه المنزلة فهو شديد الصلة بتعبيره بالوحي إلى النبي نفسه، وما بين مدلولَي التعبير من اختلاف لا يعدو الوظيفة التي يتحملها ملك الوحي بالنقل الأمين.


ويتحملها النبي بالوعي والحفظ والتبليغ. من ذلك قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}صدق الله العظيم، إذ المراد أنّ الله أوحى إلى عبده جبريل ملك الوحي الأمين، ما أوحاه جبريل إلى محمد خاتم النبيين، ومدلول الوحي إذن في هذه الآية كمدلول التنزيل الصريح في الآية الأخرى في قوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ}، بيد أنّ القرآن -لدى مراعاته المعنى اللغوي الأصلي لمادة الإيحاء حين سمّى وسيلته في الإعلام الخفي السريع “وحياً “- لم يقصر ظاهرة هذا الاتصال الغيبي الخفي بين الله وأصفيائه على تنزيل الكتب السماوية بواسطة ملك الوحي بل أشار في آية واحدة

ثلاث صور من صور الوحي:


الأول: هو إلقاء المعنى المطلوب في قلب النبي أو نفثه في روعه ، والثانية: تكليم النبي من وراء حجاب كما كلّم الله موسى من خلف الشجرة وسمع نداء ربّ العزة؛ والثالثة: هي التي متى أطلقت انصرفت إلى ما يفهمه المتدين عادة من لفظة “الإيحاء” حين يلقي ملك الوحي المرسل من الله إلى نبي من الأنبياء ما كلف إلقاءه إليه سواء أنزل عليه في صورة رجل أم في صورته الملكية؛ فبهذا نطقت الآية الكريمة: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} صدق الله العظيم، كانت إذن لهذا الإعلام الخفي السريع المسمّى “بالوحي” صورة خاصة تختلف في نظر القرآن عمّا قد يشبهها من مظاهر الخفاء والسرعة في ألفاظ الإعلام المستعملة قديماً وحديثاً.


وقد يكون مؤسفاً لنا -بعد أن استهوتنا الفكرة القرآنية التي تؤكد اتحاد مفهوم الوحي عند الأنبياء جميعاً- أن نقع في قاموس الكتاب المقدس على تفسير للوحي يختلف اختلافا جوهريا عن تفسيره الجامع الموحد، إذ الوحي في هذا القاموس “هو حلول روح الله في روح الكتاب الملهمين لإطلاعهم على الحقائق الروحية والأخبار الغيبية، من غير أن يفقد هؤلاء الكتاب الوحي شيئا من شخصياتهم، فلكل منهم نمطه في التأليف وأسلوبه في التعبير” وإنّما أسفنا لاختلاف وجهتي النظر هنا، لأنّ الوحي -بتعريفه القاموسي هذا- أضحى أبعد ما يكون عن الصعيد الديني المتصل بالله، الآخذ عن الله.

وهو أقرب ما يكون إلى دلالة الكشف الذي عرفت البشرية ألوانا صافية منه لدى الشعراء الملهمين وأهل التصوف العارفين بالله تعالى، وألواناً عكرة كدرة لدى الكهان والعرافين، وأكثرهم من الدجاجلة الكذابين، نرى لزاماً علينا – خشية أن نقع في اللبس من أثر استعمال الكلمات في غير مواضعها- أن نقصي عن ظاهرة الوحي لفظ الكشف الذي كنّا فيه، وما يشبهه من ألفاظ الإلهام والحدس الباطني والشعور الداخلي أو “اللاشعور” التي يتغنى بها شبابنا المثقفون محاكاة للأعاجم والمستعجمين، ويحاولون بها أو ببعضها أن يفسروا بسذاجة عجيبة ظاهرة الوحي عند النبيين وعند محمد خاتم النبيين.



ما أسهل أن نثبت مدلول الكشف لكل من يدعيه، ثم ننكر عليه مدلول الوحي ولو ظل يدعيه.


إنّه يخلو من الدلالة النفسية الواضحة المحددة؛ لأنّه غالبا ما يكون ثمرة من ثمار الكد والجهد أو أثرا من آثار الرياضة الروحيّة أو نتيجة للتفكير الطويل، فلا ينشئ في النفس يقينا كاملا ولا شبه كامل، بل يظل أمراً شخصيّاً ذاتياً لا يتلقى الحقيقة من مصدر أعلى وأسمى.


إنّ كشف العارفين كإلهام الواصلين وجدان تعرفه النفس معرفة دون اليقين، وتنساق إليه من غير شعور بمصدره الحقيقي، فيدخل فيه ذوق المتذوقين ووجد المتواجدين، بل تدخل فيه أيضا أسطورة آلهة الشعر عند اليونان وأسطورة شياطين الشعر عند العرب الجاهليين!.


ولا غرو, فإن الكشف كالإلهام من ألفاظ علم النفس المحدثة التي ما تبرح حتى عند القائلين بها موغلة في الإبهام، لاحتلالها “حاشية اللاشعور”، وهي حاشية -كما يوحي اسمها- أبعد ما تكون عن حالات الحس والشعور.