اقرأ في هذا المقال:


تنجيم القرآن وأسراره :

جاءت الحكمة الإلهية أن يبقى الوحي مُحاكياً مع الرسول صلى الله عليه وسلم يرشد كل يوم إلى شئ جديد، ويرشده ويهديه, ويثبته ويزيده اطمئناناً، ومتجاوبا مع الصحابة يربيهم ويصلح عاداتهم، ويجيب عن وقائعهم، ولا يفاجئهم بتعاليمه وتشريعاته، فكان مظهر هذا التجاوب، نزوله منجما “بحسب الحاجة: خمس آيات، وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول عشر آيات في قصة “الإفك” جملة، وصح نزول عشر آيات من أول “المؤمنين” جملة، وصح نزول {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}صدق الله العظيم، وحدها -وهي بعض آية- وكذا قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً}صدق الله العظيم إلى آخر الآية، نزلت بعد نزول أول على هذا المنوال ظل القرآن ينزل نجوماً.



لكي يقرأه رسول الله عليه على مكثٍ وكان يقرأ الصحابة شيئا بعد شيء، يتدرج مع الأحداث والوقائع والمناسبات الفردية والاجتماعية التي تعاقبت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم خلال ثلاثة وعشرين عاما على الأصح، تبعاً للقول بأنّ مدّة إقامته عليه الصلاة والسلام، في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة. أمّا إقامته بالمدينة فهي عشر سنين اتفاقًا: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين، وقدر بعضهم مدّة نزول القرآن بعشرين سنة، وبعضهم بخمس وعشرين، وبنوا هذا على أن إقامته عليه الصلاة والسلام، بمكة بعد البعثة كانت عشر سنين أو خمس عشرة سنة.


وكان قد بدأ نزول القرآن -كما قال الشعبي- “في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات” والشعبي يجمع في هذا الرأي بين قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ}، وهو فهم سديد لا يتضارب مع إخبار الله بإنزال كتابه في ليلة مباركة، وفي شهر رمضان، إذ يكون المراد أنه تعالى ابتدأ إنزاله في {لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}، ووصف هذه الليلة بأنّها {لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وهي إحدى ليالي رمضان، كما في قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، ثم استمر نزوله نجوماً بعد ذلك، متدرجاً مع الوقائع والأحداث.


وليس الهدف من هذا الكلام إلى الرأي الذي يقول: إنّ هناك ثلاثة مرات نزل فيها القرآن : النزول الأول إلى ما يطلق عليه ﴿فِی لَوۡحࣲ مَّحۡفُوظِۭ﴾ [البروج ٢٢] التنزل الثاني: إلى السماء الدنيا (بيت العزةوالثالث: تفريقه منجماً بحسب الحوادث، وإن كانت أسانيد هذا الرأي كلها صحيحة، لأنّ هذه التنزلات المذكورة من عالم الغيب الذي لا يؤخذ فيه إلّا بما تواتر يقيناً في الكتاب والسنة، فصحة الأسانيد في هذا القول لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده، فكيف وقد نطق القرآن بخلافه؟! إنّ كتاب الله لم يصرح إلّا بتفريق الوحي وتنجيمه، ومنه يفهم بوضوح أن هذا التدرج كان مثار اعتراض المشركين الذين ألفوا أن تلقى القصيدة جملة واحدة.



واليهود يعتقدون أنّ التوراة نزلت جملة واحدة، فأخذوا ينكرون عن نزول القرآن نجوما، وودوا لو نزل كل القرآن مرة واحدة، وقد نقل الله اعتراضهم في سورة الفرقان ثم رد عليه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}، على أنّ القائلين بتنزيلات القرآن الثلاثة لا يفوتهم -بعد بيان حكمه هذا التعدد في أماكن النزول أن يشيروا إلى أسرار تنزله الثالث الأخير منجماً بحسب الوقائع، وهذه الأسرار قد بلغت من الوضوح حدا لا تخفى معه على أحد، “ولولا أنّ الحكمة الإلهية -كما يقولون- اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الواقع لأهبطه إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكنّ الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقاً، تشريفاً للمنزَّل عليه”.


والذي يهمنا من أقوالهم تطلعهم إلى أسرار التدرج في نزول القرآن، فقد أوشكوا عند بلوغ هذه الناحية من البحث ألّا يتركوا مجالا لقائل بعدهم، إذ لاحظوا في التدرج الحكمتين اللتين أشرنا إليهما، وهما تجاوب الوحي مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتجاوبه مع المؤمنين، وإن كان تعبيرهم عن ذلك يختلف قليلاً عن تعبيرنا.


وكان تجاوب الوحي مع النبي عليه السلام على عدة صور منها: إحداهما: تثبيت فؤاده بما يتناسب مع نزوله من القرآن بعد كل حادثة, والثانية: تسهيل حفظ القرآن عليه، وقد أشار إلى الصورة الأولى أبو شامة في قوله:” فإن قيل: ما السّر في نزوله منجما؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه فقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} يعنون: كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: {كَذَلِكَ} أي: أنزلناه مفرقا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي: لنقوي به قلبك، فإنّ الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، أشد عناية بالمرسل إليه، وهذا يستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة.


ولهذا جاء في الحديث عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، كان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة”ولقد راع القرآن خيال العرب وأخذ أسماعهم بما فيه من أنباء الرسل مع أقوامهم، تتكرر بصورة مختلفة، وأساليب متنوعة، فتزداد حلاوة كلما تكررت، ولا غرض لها في أكثر المواطن التي ذكرت فيها إلا تثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين. ونطق القرآن بذلك فقال: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)، ففي ذكر قصص الرسل، وتفريقه، وتنوعيه، تقوية لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم وعزاء له على ما يلقاه من أذى قومه.


وما كان نبينا محمد بدعاً من الرسل، فجميع الأنبياء قد عُذبوا وكذبوا واضطهدوا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}، وهكذا ما انفك القرآن يتجدد نزوله مهونا على الرسول صلى الله عليه وسلم الشدائد، مسليا له مرة بعد مرة، محببا إليه التأسي بمن قبله من الرسل، يأمره تارة بالصبر أمرًا صريحا فيقول: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًاجَمِيلًا}1، ويقول: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}2 وينهاه تارة أخرى عن الحزن نهياً صريحاً، كما في قوله: {فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، وقوله: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}صدق الله العظيم، ويعلمه أحيانا أنّ الكافرين لا يجرحون شخصه في نفسه.


والمشركون كانوا لا يتهمون نبينا محمد لذاته، بل كانوا يكابرون الحق حسداً من عند أنفسهم، لأنّهم شرذمة من الجاحدين تتكرّر في كل عصر وجيل، كما في قوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}صدق الله العظيم. وفي تفسير هذه الآية يقول الحافظ ابن كثير: “يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب قومه له ومخالفتهم إياه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} أي: قد أحطنا علماً بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك علهيم كقوله: {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} كما قال تعالى في الآية الأخرى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} وقوله: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر، و{وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} أي: ولكنّهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم.


وتكرار نزول هذه الآيات المسلية، المعزية، المرشدة إلى الصبر الجميل والأسوة الحسنة، هو الحكمة المقصودة من إيراد أنباء الرسل وقص قصصهم، البشر في هذه الحالات من استيلاء الحزن على قلبه، واستبداد اليأس بنفسه، والله لم ينهه عن الحزن والحسرات وبخع النفس وضيق الصدر -كما رأينا- إلّا لأنّه بشر مثل سائر البشر، في طبيعته استعداد لجميع هذه الانفعالات النفسية.


وقد تكلم عن هذه المعاني السيد رشيد رضا في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}صدق الله العظيم فقال: “والآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بعد تسلية، وإرشاد إلى سنته تعالى في الرسل والأمم، أو هي تذكير بهذه السنة وما تتضمنه من حسن الأسوة إذ لم تكن هذه الآية أول ما نزل في هذا المعنى” ثم زاد هذه الفكرة وضوحا بقوله: “ولولا أن دفع الأسى بالأسى من مقتضى الطبع البشري لما ظهرت حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن في الصلاة ولا سيما صلاة الليل.