الآدابالفلسفة

النطاق العام والطبيعة لفلسفة بيكون الأخلاقية

اقرأ في هذا المقال
  • الأخلاق والسعادة
  • مكانة الفلسفة الأخلاقية ضمن هرم العلوم

قدم الفيلسوف روجر بيكون أفكاره وحججه الرئيسية حول الأخلاق والفاعلية الأخلاقية الإنسانية في مقال بعنوان الفلسفة الأخلاقية (Moralis Philosophia)، والذي شكل الجزء السابع والأخير من العمل العظيم (Opus Maius)، وعلى هذا النحو كانت فلسفة الأخلاق تتويجًا لمقترحات بيكون حول إصلاح دراسات اللغة والعلوم التي كلفها البابا كليمنت الرابع.

 

ومقال الفلسفة الأخلاقية متاح في طبعة نقدية حديثة أعدها أوجينيو ماسا (1953)، وتوجد سيرة ذاتية قصيرة للعناصر الرئيسية لفلسفة بيكون الأخلاقية في العمل الثالث (Opus Tertium) في الفصول 14 و15 و33.

 

الأخلاق والسعادة:

 

بشكل عام تم بناء انعكاسات بيكون الأخلاقية على افتراض أنّ الغاية أو الهدف من حياة الإنسان (finis hominis) هي السعادة، وأنّ الممارسة الأخلاقية البشرية في شكل وكالة فاضلة هي عامل حاسم في تحقيق البشر للسعادة، بالنسبة للإنسان فإنّ الطريقة الصحيحة للعيش هي بطريقة بشرية، وكما قال بيكون: “الفضيلة هي حياة الإنسان”.

 

فهم بيكون السعادة على أنّها مرادف للخلاص  ويعتقد أنّ الفلسفة والإيمان كلاهما لا غنى عنهما لتحقيقها، وحول طبيعة السعادة تتفق الفلسفة الحقيقية ومبادئ الإيمان المسيحي بشكل كامل، وهكذا كان الموضوع الذي دارت حوله اهتمامات بيكون العملية والمعيارية الرئيسية في الفلسفة الأخلاقية هو الفاعلية الأخلاقية البشرية، واتخذ هذا ثلاثة أشكال محددة:

 

1- الممارسة الأخلاقية البشرية فيما يتعلق بالله.

 

2- الممارسة الأخلاقية البشرية فيما يتعلق بالجار في شكل علاقات اجتماعية.

 

3- الممارسة الأخلاقية البشرية فيما يتعلق بالأشخاص أنفسهم في شكل فضيلة أو رذيلة.

 

كانت فلسفة بيكون الأخلاقية معيارية بمعنى أنّها وصفت بشكل ملموس تفاصيل هذه العلاقات، وعملية بمعنى أنّها حثت الوكلاء على العيش وفقًا لهذه المبادئ والقوانين الأخلاقية.

 

بجانب مفهوم السعادة كانت فكرة فائدة العلوم للبشرية مصدر قلق دائم لبيكون، ووفقًا لبيكون فإنّ جميع العلوم المقدمة في (Opus Maius) بطريقة أو بأخرى مفيدة للبشر في توفير الوسائل النظرية والعملية اللازمة لحياة أفضل، ويمكن توضيح الطريقة التي يكون بها العلم مهمًا إما بالمعنى الدنيوي للقدرة على تحسين الحياة اليومية، أو كمساهمة في تحقيق السعادة.

 

بما أنّ الفلسفة الأخلاقية هي العلم الوحيد الذي يهتم بالفاعلية البشرية ذات الصلة الأخلاقية، والفاعلية الأخلاقية للإنسان مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بتحقيق السعادة، وهي أعلى هدف أو غاية للبشر فإنّ الفلسفة الأخلاقية هي العلم الأعلى، وهكذا تم توسيع اهتمام بيكون بفائدة العلوم ليشمل بُعدًا أخلاقيًا بقدر ما توجه الفلسفة الأخلاقية البشر في العمل الفاضل.

 

مكانة الفلسفة الأخلاقية ضمن هرم العلوم:

 

نظرًا لأنّ الممارسة البشرية الجديرة بالتقدير مرتبطة بسعادة الإنسان، فإنّ ذلك يترتب على أنّ العلوم مثل القواعد والرياضيات والجغرافيا ليست أنشطة محايدة القيمة ولكنها أدوات مهمة في سعي البشر لتحقيق أعلى فائدة (Summum bonum)، وبالتالي فإنّ التفكير الأخلاقي في الفلسفة هو مهمة متميزة ولكنها ليست منعزلة، وقد أفاد معالجات بيكون للغة والرياضيات والبصريات والعلوم التجريبية بقدر ما يوجههم نحو الكمال البشري والسعادة.

 

في التسلسل الهرمي للعلوم لبيكون فإنّ الفلسفة الأخلاقية هي أعلى علم، حتى العلوم التجريبية التي فضلها بيكون كثيرًا هي فقط قبل الأخيرة، وتستخدم الفلسفة الأخلاقية نتائج واستنتاجات العلوم الأخرى، مثلًا الحقائق التي تم تأسيسها حول الأجرام السماوية في علم الفلك لمبادئها ونقاط انطلاقها، وتخضع جميع العلوم الأخرى للفلسفة الأخلاقية، ففي حين أنّ جميع العلوم المدرجة في جدول أعمال بيكون في حد ذاتها لها موضوعاتها وأشياءها المميزة، فإنّ هدفها العام المشترك وهو تحسين حياة الإنسان يمثل عاملاً موحِّدًا.

 

ميزة أخرى مهمة لمفهوم بيكون للفلسفة الأخلاقية تتعلق بالطريقة التي حاول بها حل مشكلة بارزة في القرن الثالث عشر، حيث كان المعاصرون مهتمين بالقيمة الأخلاقية للمضاربة (الثيوريا)، على وجه الخصوص الميتافيزيقيا وعلم التأمل بامتياز وحالة العبارات التأملية حول الله والمواد الروحية، وتناول بيكون هذه القضايا من زاوية أخلاقية غائية، فبالنسبة له تتمثل الطريقة الأسمى للحياة البشرية في الممارسة الأخلاقية، وأعلى تعبير عنها هو محبة الله التي تمارس في العبادة (عبادة الله).

 

على الرغم من ارتباط الميتافيزيقيا والفلسفة الأخلاقية بمعنى أنّهما يشتركان في موضوعهما، بما في ذلك مواضيع مثل الله والخلود والسعادة إلّا أنّهما منفصلان من الناحية المنهجية، وتتعامل الميتافيزيقا مع هذه الموضوعات بطريقة مضاربة، أي بطريقة أساسية (رئيسي) وبشكل عام (في عالمي)، بينما تتعامل الفلسفة الأخلاقية معها عمليًا، أي من وجهة نظر آثارها العملية الملموسة (على وجه الخصوص).

 

بينما تتساءل الميتافيزيقيا (Metaphysics) عما إذا كان هناك إله أم أنّ الروح البشرية خالدة، وتفترض الفلسفة الأخلاقية أنّ الاستنتاجات الميتافيزيقية الإيجابية هي مبادئها لكي تستنتج منها المحتوى المتعلق بالمجال الملموس المعين للفاعلية البشرية.

 

في حين أنّ الفلسفة الأخلاقية بالنسبة لبيكون تعتمد كليًا على التكهنات الميتافيزيقية، فإنّ التكهنات الميتافيزيقية لا تزال خاضعة تمامًا للفلسفة الأخلاقية، لأنّه من وجهة نظر غائية تأتي التخمينات في مرتبة أدنى من الممارسة الأخلاقية، فيما يتعلق بأعلى خير وبسبب قيود التكهنات الميتافيزيقية وفيما يتعلق بالمسائل الأخلاقية، وبالتالي فإنّ التكهنات الميتافيزيقية ليست غاية في حد ذاتها، بل تتمثل نهايتها في تلبية احتياجات الفلسفة الأخلاقية.

 

وبحكم علاقتها بالميتافيزيقا (Metaphysics) تُمنع الفلسفة الأخلاقية من التقلص إلى مجرد مهارة منفصلة لتوجيه العمل، ولكنها تحتفظ بطابعها العلمي، وكان سبب كفاءة الفيلسوف الأخلاقي في تضخيم الاستنتاجات الميتافيزيقية، مثل تلك التي تنطوي على الخلق أو الثالوث على قناعة بيكون بأنّ الفلاسفة يشاركون في الوحي والإضاءة الإلهيين.

 

وفي إجابته على سؤال حالة التصريحات التأملية حول الإله، استمد بيكون بقوة من مفهوم ابن سينا ​​للعلاقة بين الفلسفة الأخلاقية والعلوم المدنية والميتافيزيقيا، كما قدم في كتابه الأخير (أول كتاب في الفلسفة) (Liber de Philosophia Prima).

 

لم يدرك بيكون أي منافسة بين الفلسفة الأخلاقية واللاهوت، وصرّح بيكون بوضوح شديد أنّ علم اللاهوت، وهو النظام الأساسي المعني بالكتب المقدسة، يعالج نفس موضوعات الفلسفة الأخلاقية وإن كان ذلك بطريقة مختلفة أي في إيمان المسيح، ووفقًا لبيكون الفلسفة ليست ثانوية لعلم اللاهوت، بمعنى أنّ أي مسعى فلسفي سيبلغ ذروته في اللاهوت، كما اقترحه الاختزال المعاصر للفنون في اللاهوت الذي كتبه الوزير بيكون الجنرال بونافنتورا، وبدلاً من ذلك شدد بيكون على أنّ:

 

1- كلًا من اللاهوت والفلسفة هما نتيجة الوحي الإلهي والاستنارة.

 

2- تتفوق الفلسفة على اللاهوت في بعض النواحي، على سبيل المثال في الأمور المتعلقة بالأخلاق والفضيلة.

 

لذلك لا يمكن أن يقود اللاهوت البشر إلى الخلاص بدون مساعدة كبيرة من الفلسفة، وفي نموذج المعرفة لبيكون تخضع الأهداف النهائية لكل من اللاهوت والفلسفة لأعلى خير من الاتحاد المبارك مع الله، وفيما يتعلق بالفلسفة فإنّ هدف اللاهوت هو تضخيم الحكمة التي توفرها الفلسفة من خلال إضافة العنصر الغائي الحاسم فيما يتعلق بالوكالة البشرية الجديرة بالتقدير.

 

من وجهة نظر بيكون فإنّ اللاهوت مثل الفلسفة الأخلاقية، فهو علم عملي يتعامل مع الخلاص البشري في إيمان المسيح، ومن ناحية أخرى تعمل الفلسفة ضمن حدود العقل الطبيعي وليس في إيمان المسيح، وعلى الرغم من أنّه ينقل أفعالنا في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، إلّا أنّه في حد ذاته لا يمكن أن يعزز السعادة الكاملة في المستقبل، ولا يمكن للممارسة التأملية الفلسفية أن تحقق السعادة أو الخلاص.

 

المصدر
Roger BaconRoger BaconRoger Bacon (1214–1292)Adamson, Robert, 1876, Roger Bacon: The Philosophy of Science in the Middle Ages, Manchester.Carton R (1923) L’experience physique chez Roger Bacon. J. Vrin, Paris

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى