الآدابالفلسفة

بوذا والفلسفة الغير ذاتية

اقرأ في هذا المقال
  • الحجة الأولى لعقيدة اللاذات
  • الحجة الثانية لعقيدة اللاذات
  • حجج عقيدة اللاذات والهوية الشخصية

يمكن اعتبار فلسفة استراتيجية الطريق الأوسط لبوذا كواحدة من الجدل وذلك بأنّه أولاً لا يوجد شيء تشير إليه كلمة (أنا) حقًا، ثم تشرح أنّ إحساسنا الخاطئ بـ (أنا) ينبع من توظيفنا للخيال المفيد الذي يمثله مفهوم الشخص، وفي حين أنّ الجزء الثاني من هذه الإستراتيجية لا يتلقى إلّا التعبير الكامل عنه في التطور اللاحق لنظرية الحقيقتين، والتي يمكن العثور على الجزء الأول في تعاليم بوذا نفسه في شكل عدة حجج فلسفية عن اللاذات.

 

الحجة الأولى لعقيدة اللاذات:

 

أشهر هذه الحجة من عدم الثبات والتي لها هذه البنية الأساسية:

 

1- إذا كان هناك ذات فإنّها ستكون دائمة.

 

2- لا يوجد أي من الأنواع الخمسة للعنصر النفسي فيزيائي دائم.

 

إذن لا يوجد نفس.

 

إنّها حقيقة أنّ هذه الحجة لا تحتوي على فرضية تؤكد صراحة أنّ الفئات الخمسة (فئات من العناصر النفسية الفيزيائية) شاملة لمكونات الأشخاص، بالإضافة إلى حقيقة أنّ هذه كلها يمكن ملاحظتها تجريبياً، وهذا يقود البعض إلى الادعاء أنّ بوذا لم يقصد إنكار وجود محكمة ذاتية، ومع ذلك هناك دليل على أنّ بوذا كان معاديًا بشكل عام لمحاولات إثبات وجود كيانات لا يمكن ملاحظتها.

 

في (Pohapāda Sutta) على سبيل المثال يقارن بوذا شخصًا يفترض وجود عراف غير مرئي من أجل شرح وعينا الاستبطاني للإدراك، بالرجل الذي تصور الشوق لأجمل امرأة في العالم، فالعالم يعتمد فقط على فكرة أنّ مثل هذه المرأة يجب أن تكون موجودة بالتأكيد، وفي (Tevijja Sutta) يرفض بوذا ادعاء بعض البراهمين بمعرفة الطريق إلى الوحدة مع براهمان على أساس أنّه لم يلاحظ أحد بالفعل هذا البراهمان، وهذا يجعل الافتراض الأكثر منطقية هو أنّ الحجة تتضمن فرضية ضمنية الادعاء بأنّه لا يوجد لدى الشخص أكثر من سكانداس الخمسة.

 

يبدو أنّه في الجملة رقم 1 من هذه الحجة تستند إلى افتراض أنّ الأشخاص يخضعون لولادة جديدة، جنبًا إلى جنب مع فكرة أنّ إحدى وظائف الذات ستكون تفسير الهوية الشخصية غير المتزامنة، والتي تعني كلمة دائم هنا استمرار الوجود على مدى حياة عدة على الأقل، ويتضح هذا من خلال حقيقة أنّ بوذا يستبعد الجسد باعتباره ذاتًا على أساس أنّ الجسد موجود لمدى الحياة فقط، ويوضح هذا أيضًا أنّ بوذا لم يقصد بكلمة غير دائمة ما كان يقصده بعض الفلاسفة البوذيين اللاحقين أي الوجود للحظة فقط، حيث تمثل العقيدة البوذية عن اللحظات تطورًا لاحقًا.

 

الكيانات العقلية التي تتكون منها الأربعة المتبقية قد تبدو أنواع العناصر النفسية الفيزيائية وكأنّها مرشحة واعدة أكثر، ولكن يتم استبعادها على أساس أنّ كل هذه العناصر تنشأ بالاعتماد على الاتصال بين كلية الحس والموضوع، ولا تدوم أكثر من حدث معين للتواصل بين المعنى والشيء.

 

وإنّ سرد خمسة أنواع من العناصر النفسية والفيزيائية وليس عنصرًا واحدًا فقط يدل على أنّ بوذا اعتنق نوعًا من الثنائية، ولكن هذه الإستراتيجية لإثبات عدم ثبات العناصر النفسية تُظهر أنّ ازدواجيته لم تكن نوعًا من ثنائية العقل والجسد المألوفة من أنطولوجيا الجوهر مثل تلك الخاصة بديكارت ومدرسة نيا للفلسفة الهندية الأرثوذكسية.

 

بدلاً من رؤية العقل باعتباره الحامل الدائم لمثل هذه الأحداث العابرة مثل حدوث الإدراك والشعور والإرادة، فإنّه يتعامل مع العقل كنوع من المصطلح الكلي لحزم الأحداث العقلية العابرة، ونظرًا لكون هذه الأحداث غير دائمة فإنّها تفشل أيضًا في تفسير الهوية الشخصية غير المتزامنة بالطريقة التي يُتوقع من الذات بها.

 

الحجة الثانية لعقيدة اللاذات:

 

حجة أخرى لغير الذات والتي قد تسمى الحجة من السيطرة لها هذا الهيكل:

 

1- إذا كانت هناك ذات، فلا يمكن للمرء أبدًا أن يرغب في تغييرها.

 

2- كل نوع من الأنواع الخمسة من العناصر النفسية الفيزيائية هو من النوع الذي يمكن للمرء أن يرغب في تغييره.

 

إذن لا يوجد نفس.

 

إنّ الجملة رقم 1 من هذه الحجة محيرة، فيبدو أنّه يفترض مسبقًا أنّ الذات يجب أن يكون لها سيطرة كاملة على نفسها، حتى تتمكن بسهولة من تعديل حالتها وفقًا لرغباتها، وأن يُنظر إلى الذات على أنّها موضع السيطرة أمر معقول بالتأكيد، ويدرك منظرو الذات الهنود الذين يدعون أنّ الذات مجرد شاهد سلبي أنّ عبء الإثبات يقع عليهم لإثبات أنّ الذات ليست فاعلة، ولكن يبدو أنّه يتطلب بشكل غير معقول أن تطلب من الذات أن تكون لها سيطرة كاملة على نفسها.

 

نحن لا نطلب أن ترى تلك الرؤية نفسها إذا كانت تريد أن ترى أشياء أخرى، ولكن حالة الرؤية توحي بتفسير بديل، وقد نعتقد أنّ هذه الرؤية لا ترى نفسها لسبب أنّ هذا من شأنه أن ينتهك مبدأ اللا انعكاسية بحيث لا يمكن للكيان أن يعمل على نفسه، ويستشهد الفلاسفة الهنود الذين يقبلون هذا المبدأ بحالات داعمة مثل السكين الذي لا يستطيع قطع نفسه وطرف الإصبع الذي لا يمكنه لمس نفسه.

 

إذا تم قبول هذا المبدأ فعندئذ إذا كانت الذات هي موضع السيطرة، فسيتبع ذلك أنّه لا يمكنها أبدًا ممارسة هذه الوظيفة على نفسها، ولا يمكن للذات التي كانت المتحكم أن تجد نفسها في موقف السعي لتغيير حالتها إلى حالة تعتبرها مرغوبة أكثر، وبناءً على هذا التفسير يبدو أنّ الفرضية الأولى صحيحة، وهناك أدلة كثيرة على أنّ الفرضية 2 صحيحة بحيث من الصعب تخيل حالة جسدية أو نفسية قد لا يرغب المرء في ممارسة السيطرة عليها، وبالتالي بالنظر إلى الافتراض بأنّ الشخص مؤلف بالكامل من العناصر النفسية الفيزيائية يبدو أنّه يتبع أنّ نفسًا من هذا الوصف غير موجودة.

 

حجج عقيدة اللاذات والهوية الشخصية:

 

تظهر هاتان الحجتان إذن لإعطاء سبب وجيه لإنكار الذات التي قد تؤسس الهوية الشخصية غير المتزامنة وتكون بمثابة موضع للسيطرة، بالنظر إلى الافتراض بأنّه لا يوجد لدى الشخص أكثر من العناصر النفسية الفيزيائية المعطاة تجريبيًا، ولكن الأمر أصبح الآن بمثابة لغز كيف يمكن للمرء أن يشرح الهوية الشخصية والفاعلية المتزامنة.

 

لنبدأ بالأخير بحيث ألا تشير حجة السيطرة إلى أنّ السيطرة يجب أن يمارسها شيء آخر غير العناصر النفسية الفيزيائية؟ وكان هذا بالضبط هو الاستنتاج الذي توصلت إليه مدرسة الساقية للفلسفة الهندية الأرثوذكسية، وكانت إحدى حججهم حول وجود الذات هي أنّه من الممكن ممارسة السيطرة على جميع مكونات الشخص المعطاة تجريبيًا، وبينما يتفقون مع بوذا على أنّ الذات لا تُرصد أبدًا فإنّهم يعتبرون ظواهر الفاعلية أساسًا لفرض الذات التي تتجاوز كل التجارب الممكنة.

 

ومع ذلك فإنّ هذا الخط من الاعتراض على تعاليم بوذا عن اللاذات يتم صياغته بشكل أكثر شيوعًا ردًا على حجة عدم الثبات، وربما يكون أكثر أشكاله دراماتيكية هو قبول بوذا لمذاهب الكارما وإعادة الميلاد، ومن الواضح أنّ الجسد لم يعد موجودًا عند الموت، وبالنظر إلى حجة بوذا القائلة بأنّ الحالات العقلية كلها تنشأ من الاعتماد على أحداث الاتصال بين الإحساس والجسم، يبدو أنّه لا يمكن لأي مكون نفسي للشخص أن ينتقل أيضًا.

 

ومع ذلك يدّعي بوذا أنّ الأشخاص الذين لم يحققوا الاستنارة بعد سوف يولدون من جديد ككائنات واعية من نوع ما بعد وفاتهم، وإذا لم يكن هناك مكون مهما كان ينتقل من حياة إلى أخرى فكيف يمكن أن يكون الكائن في الحياة التالية هو نفس الشخص الموجود في هذه الحياة؟ فيصبح هذا السؤال أكثر وضوحًا عندما نضيف أنّ إعادة الميلاد تحكمه الكارما، وهو الشيء الذي يعمل كنوع من العدالة الكونية، بحيث أولئك الذين ولدوا في ظروف محظوظة يفعلون ذلك نتيجة للأعمال الصالحة في حياتهم السابقة، في حين أنّ الولادات غير السارة تنتج عن الأفعال الشريرة الماضية.

 

يمكن أن يكون نظام المكافأة والعقاب هذا فقط إذا كان متلقي الفاكهة الكرمية اللطيفة أو غير السارة هو نفس الشخص كعامل الفعل الجيد أو الشرير، ويجد الخصم أنّه من غير المفهوم كيف يمكن أن يكون الأمر كذلك في غياب الذات المثابرة.

المصدر
Buddha (c. 500s B.C.E.)BuddhaBuddhaAlbahari, Miri, 2006. Analytical Buddhism, Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2014. ‘Insight Knowledge of No Self in Buddhism: An Epistemic Analysis,’ Philosophers’ Imprint.Anālayo, Bhikkhu. 2018. Rebirth in Early Buddhism and Current research, Cambridge, MA: Wisdom.Gethin, Rupert, 1998. The Foundations of Buddhism, Oxford: Oxford University Press.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى