الآدابالفلسفة

فكر روجر بيكون في العلوم العملية وتقسيم الفلسفة الأخلاقية

اقرأ في هذا المقال
  • العلوم العملية والممارسة البشرية
  • التقسيم الوظيفي للفلسفة الأخلاقية

إنّ الطريقة التي عكس بها الفيلسوف روجر بيكون مفهوم الممارسة البشرية في بداية مقاله الفلسفة الأخلاقية تشير إلى أنّ مفهوم العلم العملي كان مهمًا جدًا لفلسفة بيكون، وإنّ الطريقة التي استخدم بها بيكون هذا المصطلح تحمل دلالات حديثة بقدر ما تتضمن مفاهيم المنفعة والقوة للإنسان، فذكر مثلًا لتحسين أو تطوير حياة الإنسان في ضوء الأمراض أو عملية الشيخوخة، كما أشار بيكون لبعض العلوم نشطة وفاعلة، أي إنّها تدور حول الأعمال الاصطناعية والطبيعية، وتأخذ بعين الاعتبار حقائق الأشياء والأعمال العلمية التي تتعلق بالعقل التأملي.

 

العلوم العملية والممارسة البشرية:

 

لقد كان فهم بيكون للعلم العملي صلة علمانية من حيث أنّ لديه القدرة على شرح وإنتاج الأشياء من خلال جهود المضاربة، وارتبط هذه الفكرة العملية بشكل خاص بالعلوم التجريبية، كما هو موصوف بتفصيل كبير في الجزء السادس من أطروحته العمل العظيم (Opus Maius)، ومع ذلك فقد قام بيكون بتأهيل مفهوم الممارسة الإنسانية من خلال الإشارة إلى أهميتها للحياة البشرية في العالم الآخر أي الحياة بعد الموت، وبهذا المعنى فإن المصطلح (عملي) يكتسب معنى أضيق.

 

وفقًا لبيكون يشير المصطلح العملي إلى نوع من الممارسة البشرية التي لها صلة بأعلى نهاية للبشر (Finis hominis) ليصبحوا صالحين لاكتسابهم فضائل العدل أو الحياء أو التواضع، وتشكل أعمال البشر هذه وكالة أخلاقية تتحدث بشكل صحيح وتمثل الأعمال التي بحكمها يتم الحكم على الشخصيات أو الأرواح على أنّها جيدة أو شريرة.

 

هذه الأعمال هي أعمال سلوك أخلاقي (opera morris)، وهي تتمثل في أداء ما يعتبر خيراً أو شرًا ويوجهها العقل العملي قصدًا للخير والسعي إليه، وعليه فإنّ العلم العملي المأخوذ بالمعنى الضيق للمصطلح هو علم الفعل البشري من وجهة نظر التمييز بين الخير والشر والفاضل والشر والسعادة والبؤس في الحياة الآخرة.

 

وبالتالي بمعنى أوسع يشير المصطلح العملي إلى الأعمال البشرية، ويشير العلم العملي إلى العلوم التي توجه جهودها نحو الأعمال والنشاط والإنتاج، ومع ذلك وكما أكد بيكون بالمعنى الضيق كما في سياق الفلسفة الأخلاقية، فإنّ العملي يشير بشكل صارم إلى أعمال السلوك الأخلاقي فيما يتعلق بالعقل العملي والإرادة البشرية.

 

التقسيم الوظيفي للفلسفة الأخلاقية:

 

الهدف العام للفلسفة الأخلاقية وفقًا لبيكون عملي وموجه نحو الفاعلية الأخلاقية البشرية، وفيما يتعلق بالبنية العامة للفلسفة الأخلاقية (بالمعنى الضيق)، ميّز بيكون بين فرعين:

 

1- فرع تخميني أو نظري (مضاربة).

 

2- فرع عملي (ممارسة).

 

يتعامل الأول مع الموضوعات بطريقة تأملية، والتي تتعلق في الأصل بالحقائق الميتافيزيقية التي لها آثار أخلاقية تتعلق بوجود الله فضلاً عن القوانين والفضائل، ومن ناحية أخرى يسعى الفرع العملي إلى الانخراط في الشؤون الإنسانية، وفي ظل هذا الفرع يهتم الفيلسوف الأخلاقي بالعمل الأخلاقي النشط أي الإقناع الأخلاقي، سواء كان من غير المؤمنين أو العاجزين أخلاقيًا، كما يصف بيكون المسيحي الذي إرادته فاسدة أو طبيعته شديدة الغضب بحيث لا يمكن جعلها قارة بسهولة.

 

شبه بيكون (تقسيم العمل) بين الأجزاء التأملية والعملية للفلسفة الأخلاقية بفن الطب، مثل الفلسفة الأخلاقية وجميع العلوم الأخرى له فرع تأملي وعملي، وبالنسبة لبيكون يرتبط الجزء العملي من الفلسفة الأخلاقية بالمضاربة بطريقة مماثلة للطب، ويتعلق الجانب العملي من الطب بالشفاء الفعال للمرضى والحفاظ على الصحة، ويرتبط بالجزء النظري الذي يتعلق بماهية الصحة والأمراض والأعراض الموجودة أو ما هي علاجاتها.

 

يتمثل الاختلاف الرئيسي بين كلا الجزأين في نوع المعرفة التي يمتلكها الخبير المتمرس نظريًا وعمليًا، في حين أنّ معرفة المنظر هي أساسًا معرفة الكتاب، وتتألف من حقائق عامة وسلطة غير مباشرة، فإنّ معرفة الممارس تعتمد على المهارات ومتجذرة في الخبرة المباشرة مع حالات معينة، وتنتج هذه التجارب المعرفة التي تسمح للتطبيق العملي والقراءة والتشغيلي لحث البشر على العمل الأخلاقي.

 

وفقًا لبيكون فإنّ كلاً من الفروع التأملية والعملية للفلسفة الأخلاقية لهما موضوعات مشتركة تلك الموضوعات العملية (operabilia)، وهي أسمى الحقائق عن الله والعبادة والحياة الأبدية وقوانين العدل والسلام والفضائل، ويمكن تشبيه ممارسة الفلسفة الأخلاقية حسب فهم بيكون بنوع من العلاج وعلاج روحي نفسي، حيث يتم مساعدة المريض (الروح البشرية) في الحفاظ على الصحة الروحية والشفاء في حالة المرض الروحي (الخطيئة).

 

فيما يتعلق بتقسيم الفلسفة الأخلاقية يمكن للمرء أن يقول إنّ شعار بيكون العام اتبع المبدأ الأرسطي الشهير من الكتاب الثاني للأخلاق النيقوماخية، والذي وفقًا له لا يتم السعي وراء نهاية فحص مسائل الفضيلة والسعادة من أجل حد ذاتها ولكن بل من أجل أن نصبح صالحين.

 

قسم بيكون لاحقًا كل من فرعي الفلسفة الأخلاقية إلى ثلاثة فروع فرعية، حيث تتكون الأجزاء الثلاثة من فرع المضاربة من الأجزاء الثلاثة الأولى من مقال الفلسفة الأخلاقية (Moralis Philosophia):

 

  • يقدم الجزء الأول نوعًا من الأساس الميتافيزيقي أو الأخلاق، حيث يسرد المبادئ الميتافيزيقية ذات الصلة من الناحية الأخلاقية مثل وجود الله، والتي جادل بيكون من خلالها أنّه من الممكن الكشف (شرح) أو شرح أي محتوى أخلاقي معياري ضمني.

 

  • الجزء الثاني من الفرع التأملي للفلسفة الأخلاقية يتعامل مع الأخلاق بقدر ما يتعلق بالعلاقات بين الأفراد ورفاقهم من الكائنات، ومع ذلك يظل هذا الجزء موجزًا ​​للغاية، ويتألف في الغالب من اقتباسات من الميتافيزيقا لابن سينا وتحدد بنية الحياة الاجتماعية.

 

  • الجزء الثالث تناول بيكون موضوع الفضائل والرذائل، وفي الغالب من خلال الاقتباس من وسرد الأعمال الأخلاقية للرواقي الروماني القديم سينيكا (Seneca) وكذلك بعض أعمال شيشرون، حيث كان بيكون يكّن تقديرًا خاصًا لسينيكا، ولقد اعتبر أنّ تعليم سينيكا الأخلاقي حول الفضائل والرذائل أعلى من تعليم المفكرين المسيحيين.

 

تأثر تفسير بيكون للفضائل والرذائل بآراء أرسطو والرواقية حول الفضيلة، ولقد تبنى العقيدة الأرسطية عن فضائل الشخصية كوسيلة ودمجها مع عقيدة التأثيرات الرواقية، ووفقًا لذلك أكد بيكون بشكل كبير على الهدوء، وبدون هدوء العقل لا يمكن للمرء أن يتسامح مع المحن بسهولة أو تحقيق السعادة، كما كرّس بيكون أيضًا اهتمامًا خاصًا لرذيلة الغضب.

 

لقد قيل أنّ هذا الجزء من الفلسفة الأخلاقية (Moralis Philosophia) قد تم تأليفه ككتيب أخلاقي للأمير والأسقف، حيث يقدم المشورة للبابا حول وجود وطبيعة حوارات سينيكا، والتي كانت غير معروفة شمال جبال الألب حتى عام 1266، ويوضح هذا الظرف مرة أخرى المسار العملي لفلسفة بيكون، حيث يجب فهم (العملي) من حيث المنفعة والإقناع الأخلاقي.

 

من ناحية أخرى ترد المهمة (العلاجية) أو العملية للفلسفة الأخلاقية في الأجزاء من الرابع إلى السادس من فلسفة الأخلاق، وتشترك كل هذه الأجزاء في الهدف المتمثل في المساعدة على حث البشر على العمل الأخلاقي، أي إقناع الناس بالأخلاق الواردة في أعمال الفلاسفة العلمانيين وخاصة أرسطو وسينيكا وفي أعمال التقليد المسيحي.

 

قسّم بيكون الفروع الفرعية الثلاثة للفلسفة وفقًا لأهدافها الثلاثة المتميزة:

 

  •  الإيمان (الفلسفة الأخلاقية الجزء الرابع).

 

  • الممارسة الأخلاقية (الفلسفة الأخلاقية الجزء الخامس).

 

  • حكم جنائي (الفلسفة الأخلاقية الجزء السادس).

 

كانت الأجزاء من الرابع إلى السادس من الفلسفة الأخلاقية (Moralis Philosophia) (عملية) بمعنى أنّه في كل حالة يجب إقناع المريض أو المرسل إليه بأي منهما:

 

  • مصداقية الحق والقانون المسيحي (lex christiana).

 

  • المحبة والوفاء بالقانون بمجرد أن تؤمن به.

 

  • أو الجانب الصحيح في قضية قانونية معقدة.

 

وهكذا تتعامل الفلسفة الأخلاقية في فروعها الفرعية العملية الثلاثة وفقًا لبيكون مع أنواع مختلفة من المرضى، من المسيحيين وكذلك الكفار، وتستخدم أساليب عملية مختلفة بما في ذلك الحجج البلاغية والشعرية لإثبات صحة الدين وإقناع الناس به.

 

المصدر
Roger BaconRoger BaconRoger Bacon (1214–1292)Adamson, Robert, 1876, Roger Bacon: The Philosophy of Science in the Middle Ages, Manchester.Carton R (1923) L’experience physique chez Roger Bacon. J. Vrin, Paris

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى