الآدابروايات الأدب الإنجليزي

قصة وفاء ل غي دي موباسان

اقرأ في هذا المقال:

تُعتبر هذه القصة من الإبداعات الأدبية التي صدرت عن الكاتب غي دي موباسان، وقد تناول من خلال محتوى القصة الحديث حول طابع الوفاء، والذي وصفه أنه عبر الزمن سوف يكون هذا الطابع من الأمور النادر تواجدها، وقد وصف ذلك من خلال وفاء رجل جريح لمن همت بمساعدته، وكان طابع الوفاء مسيطر عليه إلى حد أنه توفي حين سمع عنها أنها توفيت.

 

قصة وفاء

 

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث القصة حول رحلة سفر يتم سرد أحداثها على لسان شخص يعمل كطبيب، وأول ما بدأ به هو أنه قال: في ذلك اليوم كانت عربة القطار تعج بعدد كبير من الركاب، وبعد أن تعرف كل منهم للآخر بقيت الأحاديث تدور بينهم طوال تلك الرحلة، وأثناء الرحلة بينما كان القطار قد مر من جانب إحدى القرى التي تعرف باسم قرية ثاراسكون قال أحد الركاب في هذا المكان حدث في وقت سابق العديد من الجرائم وحوادث القتل من قِبل مجهول.

 

وحينما تم طرح هذا الموضوع كان هناك العديد من الركاب يسمعون عن ذلك السفاح الموجود في تلك القرية، وبدأوا في سرد حوادث عديدة قام بها، كما أشاروا إلى أنه هذا السفاح قد أعجز عناصر الشرطة في الوصول إليه، وفي آخر سنتين أخذ يعيث فتكًا بروح كل من يلتقطه من المسافرين.

 

من هنا بدأ كل واحد من المسافرين بسرد القصص المخيفة والمرعبة والمصادفات المفزعة، فكل شخص كان على متن تلك الرحلة كان لديه علم بحادثة مختلفة عن الأخرى مما قام به ذلك السفاح، فهناك من أشار إلى أنه في يوم من الأيام توصل إلى أحد الجنود المحاربين وسرعان ما لقي مصرعه ذلك الجندي بين يدي السفاح في ظروف غامضة دون أن يعرف أحدهم كيف ومتى.

 

وخلال تلك الأحاديث المطولة أشار الطبيب أنه منذ فترة من الزمن اعتاد في كل فصل شتاء أن يعبر من هذه القرية حتى يصل إلى جنوب فرنسا، إلا أنه من حسن حظه لم يتم في أي مرة مر بها من تلك القرية أن حدث مثل تلك الحوادث، إلا أنه في يوم من الأيام كانت هناك مريضة تراجعه باستمرار في عيادته الخاصة، وحين انقطت عن مواعيدها سمع أنها تعرضت لحادثة من أغرب الحوادث التي من الممكن أن تحدث في العالم.

 

ومن هنا بدأ بسرد قصة تلك الفتاة، حيث قال: كانت المريضة روسية الجنسية وتدعى ماري بارانواي، وهذه الفتاة تتميز بجمال أخاذ وساحر، كما أنه كان كل من يراها تخطف نظره بجاذبيتها، فكما تعلمون يا سادة كم هن جميلات الفتيات الروسيات، إذ يتميزن بطابع ممزوج بين الجمال العنيف والكبرياء الجميل، وقد كنت في كل مرة تراجعني بها في العيادة أنصحها بالذهاب إلى جنوب فرنسا من أجل الشفاء؛ وذلك لأنها كانت تعاني من نوع من أنواع الأمراض الصدرية التي تهدد حياتها بالموت، إلا أنها في كل مرة كانت ترفض ذلك الأمر وبشدة.

 

ولكن مع حلول فصل الخريف بدأت حالة المريضة تسوء يوماً عن يوم، ولهذا أخبرت زوجها أنها أشرفت على الهلاك، وقمت بإقناعه أن يقوم بمحاولة الحديث معها عن السفر إلى إحدى المدن التي تعرف باسم مدينة مانتو، وبالفعل اقتنعت من زوجها، وبناء على ما أخبرني به زوجها أنها أول ما استقلت القطار جلست في مقصورة بمفردها بالعربة، بينما خدمها فقد جلسوا في غرفة مجاورة لها، وفي تلك المقصورة كان يطغو عليها الحزن ومن نافذة القطار تنظر إلى الجبال والقرى، وعند الوقوف في كل محطة كانت وصيفتها تسألها حول فيما إذا كان ينقصها شيء، إلا أنها فيكل مرة تقول أنه لا يوجد هناك أي شيء ينقصها.

 

وفي إحدى المحطات دخل عليها المقصورة رجل أصلع جريح الذراع يلهث وقد كاد أن ينقطع نفسه من شدة الخوف التي كان بها، كما كانت ثيابه مبلله بالماء، وسرعان ما همّ بإغلاق باب المقصورة خلفه وجلس يحدق بعينين لامعتين إليها، ثم بعد ذلك مزق عدة قطع من ملابسه وقام بربط كتفه التي كانت تنزف بالدم، وأول ما شاهدته تلك المريضة شعرت بالخوف الشديد، ولكنها لم تنطق بأي كلمة لعجزها عن وصف حالتها.

 

وبعد لحظات قليلة بدأ الجريح بالحديث معها وقد استمعت إليه وقلبها يخفق بشدة من شدة الرعب، وقال لها: إنا لست مجرم يا سيدتي، وهنا لم ترد عليه مطلقاً وبقيت ملتزمة الصمت، وفي حركة لا إرادية منها سقطت مجموعة من الحلي الذهبية منها، وهنا اندهش الرجل وأخذ يحدق النظر بها مرة أخرى، ثم مال باتجاه الأرض من أجل التقاطه، وفي تلك اللحظة سرعان ما حاولت الهروب من باب عربة القطار، إذ أرادت أن تلقي بنفسها، ولكن الرجل المصاب أسرع ووثب من مكانه وأمسكها بها وأجبرها على الجلوس في مكانها.

 

وهنا قال لها: يا سيدي أنا لست رجل شرير ولا لص وأكبر دليل على ذلك أني قمت بالتقاط الحلي الذهبية وسوف أعيدها إليك، وما أنا سوى رجل هالك ومحكوم علي بالموت، وكل ما أريده منك هو أن تقومي بمساعدتي على اجتياز الحدود الروسية، فإنني سوف ألقى حتفي حتماً إذا بقيت في هذه المنطقة، وما بقي سوى ساعة على وصولنا إلى نهاية الحدود الروسية، وفي تلك اللحظة حاول أن يثبت مدى صدق حديثه لها، فقال: أقسم لك إنني لم أقوم بقتل أحد ولا هممت بسرقة شخص ولا فعلت أي جرم، أحلف لك بذلك وليس لدي مزيد من الكلام، ثم بعد ذلك جثا الرجل المصاب على ركبتيه يلتقط القطع الذهبية وأعادها إليها ثم عاد وجلس في زاوية عربة القطار وظل الاثنان صامتان.

 

وبعد لحظات تواصلت مع الوصيفة وأخبرتها أنها لا تطرق عليها باب العربة نهائياً، فهي ترغب في الاستراحة قليلاً، لبت الوصيفة طلبها وطلبت منها قبل ذلك أن تحضر لها طقم ملابس من ثياب الخدم، وأول ما وصلتها تلك الملابس قدمتها للشاب وقالت له: أنت من الآن تدعى إيفان حارسي الشخصي، ولكن كل ما أريده منك هو أن لا تتحدث معي على الاطلاق، وفي إحدى المحطات دخل عليها الموظفون فقدمت لهم أوراق السفر وقالت هذا خادمي إيفان، واستأنف القطار الرحلة.

 

وفي تلك الأثناء قال لها الرجل المصاب: اعذريني لو أني اختللت الشرط معك، ولكني حرمتك من أن ينظروا إليك الخدم، فهل تحتاجين إلى شيء؟ فردت عليه: نعم استدعي لي الوصيفة وبالفعل غادر العربة من أجل أن يقوم بما أمرته به، ولكنه منذ ذلك الحين قد اختفى.

 

وحين أتم الطبيب القصة سكت للحظات، وأكمل حديثه بقوله: ذات يوم حينما كنت استقبل زبائني شاهدت شاب يقول سيدي الطبيب لقد جئت إليك من أجل الاطمئنان منك على صحة الكونتيسة ماري، وقد كان ذلك الشاب هو الرجل المصاب فرددت عليه: إنها مشرفة على الهلاك، ولن تعود إلى روسيا مرة أخرى، وهنا أجهش الشاب بالبكاء، وفي ذات المساء أخبرت الكونيسة أن هناك شاب غريب سأل عنها.

 

وقد اتضح لي أنه كان حب سامي بين شخصين لا يعرف كل منهما عن الأخر، إذ أنه تعلق بها قلبه بما فيه الكفاية، أما هي فقد كانت فقد بقيت مهجورة ومتروكة من الأهل والزوج، وفي تمام الساعة السادسة تماماً من صباح اليوم التالي توفيت الكونتيسة، وفي تلك اللحظة أقبل علي الشاب باهت اللون وقال لي أنه يتمنى رؤيتها ولو للحظة، وحينما اصطحبت إلى غرفة الفقيدة توفي الشاب وهذه هي أغرب حادث أعرفها عن السفر.

المصدر
كتاب الحلية المفقودة مجموعة قصصية مختارة من الأدب الفرنسي ل غي دي موباسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى