العلاج الوظيفي وتنمية مهن الطفولة

اقرأ في هذا المقال


العلاج الوظيفي وتنمية مهن الطفولة:

إن فهم تطوّر الطفل هو المعرفة الأساسية للمعالجين المهنيين للأطفال، حيث ساهم باحثون من العديد من التخصصات، بما في ذلك الطب وعلم النفس والأنثروبولوجيا والتعليم وعلم الاجتماع والعلاج المهني، في الأدبيات المتعلقة بالتنمية البشرية، كما ينبغي دمج وجهات النظر المختلفة التي يقدمونها في فهم كلي وشامل لكيفية تحول الأطفال إلى بالغين.
يسأل المعالجون المهنيون عن التغيرات التطورية التي تحدث عند الأطفال وكيف يطوّر الأطفال شخصيتهم الفريدة. حيث توفر الإجابات على هذه الأسئلة المعرفة الأساسية لتقييم الأطفال ولتحديد المواد والأنشطة والبيئات المناسبة لدعم تنمية مهارات الأطفال ومشاركتهم في مجتمعاتهم. كما يهتم الباحثون أيضًا بكيفية تطور المهن البشرية على مدى الحياة.

نظريات ومفاهيم النمو:

وجهت نظريات النمو التعليم والعلاج للأطفال الذين يعانون من اضطرابات النمو على مدى السنوات الستين الماضية. حيث حدد الباحثون في الثلاثينيات والأربعينيات سلسلة من نضوج المهارات التي حددت خطوات التطور الطبيعي، حيث أفترض الباحثون أن التطور الطبيعي يتبع تسلسل مهارة محددًا يعكس نضج الجهاز العصبي المركزي. يعتقد هؤلاء العلماء أن تسلسل تنمية المهارات الحركية والمعرفية والاجتماعية العاطفية واللغوية لم يتأثر نسبيًا بتجارب الرضيع.
تسلسل التطور الطبيعي هو إطار مرجعي مهم لإنشاء أدوات التقييم التنموي التي تحدد الأطفال ذوي الإعاقة. حيث يعتقد أن الاختلافات في التسلسل الطبيعي للتطور تشير إلى خلل في الجهاز العصبي المركزي.
يظل تحديد الأطفال الذين يعانون من عجز في النمو أو تأخيرات كبيرة دورًا مهمًا للأطباء والممرضات والمعالجين المهنيين وغيرهم ممن يقدمون خدمات التدخل المبكر. منذ أربعينيات القرن الماضي، تطورت نظريات نمو الطفل من البحث القائم على الملاحظة والطول الذي يحدد مراحل نمو الطفل ويحدد المعالم التنموية الرئيسية للدراسات التي تكشف عن تعقيد نمو الطفل من حيث صلته بالبيئات الثقافية والمادية والاجتماعية. حيث تقسم النظريات التي تتعلق أساسًا بـ:
1- التطور المعرفي.
2- التطور الحركي.
3- التطور الاجتماعي العاطفي.
4- تطوير الهوية الذاتية وتقرير المصير.
5- النماذج البيئية.

1- التطور المعرفي:

على عكس النظريات الأولى لتنمية الطفل التي اقترحت عملية محددة مسبقًا خطوة بخطوة، أدرك 953 باحثًا وباحثًة في القرن العشرين أن نمو الطفل قد تأثر بالسياقات الثقافية والاجتماعية والمادية للطفل. وأوضحوا أن التطوّر يمكن أن يمثله الهرم، ممّا يعني أن المهارات الجديدة مبنية على القدرات التأسيسية. كما اقترح مفهوم الهرم أن كل مرحلة جديدة تبني على مهارات أساسية محددة. حيث ينتقل الأطفال بين السلوكيات الأكثر تقدمًا أو الأكثر بدائية في سياقات مختلفة وتعتمد السلوكيات الجديدة ليس فقط على النضج العصبي ولكن أيضًا على المتطلبات والتحديات والدعم وفرص التعلم في البيئة.

2- تفاعل العوامل الجوهرية والبيئية:

كان جان بياجيه من أوائل العلماء الذين وصفوا هذه الطبيعة التفاعلية للتطور المعرفي. وسعت نظرية بياجية فهمنا لنضج الطفل من خلال التأكيد على أن التطوّر يحدث من خلال التفاعل بين البيئة وقدرات الطفل الفطرية. حيث يتكيف الأطفال وينموون من خلال العلاقات الاجتماعية والجسدية.
قدم بياجية فكرة أن الأطفال لديهم دافع جوهري للتعلم من محيطهم وأنهم يتصرفون على بيئتهم بدلاً من مجرد الاستجابة لها. في بداية الطفولة، يطوّر الأطفال هياكل أو مخططات معرفية لتمثيل الأشياء والأحداث والعلاقات في أذهانهم. كما أكد بياجيه على نضج الهياكل المعرفية التي تمكن الطفل من فهم البيئة واللغة والعمل الاجتماعي.
كل تفاعل هو فرصة إما لاستيعاب المعرفة الجديدة في الهياكل القائمة أو لتكييف الهياكل القائمة لاستيعاب المعلومات الجديدة. كما يتغير تأثير البيئة على نمو الطفل عندما يصبح الطفل قادرًا بشكل متزايد على استيعاب تعقيدات الأحداث المادية والاجتماعية.

قام بياجيه بتوثيق نضج الطفل من خلال مراحل الاستكشاف الحسي الحركي لاكتساب الفكر الرمزي والعمليات الإدراكية الرسمية. حيث تتبع مراحل النمو تسلسلًا يمكن التنبؤ به ولكنها تختلف إلى حد أنها تعكس الهبة الجينية وتجارب الطفل.

كما ينضج إدراك الأطفال من البسيط إلى المعقد ومن الملموس إلى المجرد ومن الاهتمامات الشخصية إلى الاهتمامات الدنيوية. حيث حدد بياجيه أربعة مستويات أو فترات نضج للوظيفة المعرفية – الحسية، ما قبل الجراحة، العملياتية الملموسة، والتشغيلية الرسمية، التي تؤدي إلى النضج المعرفي لمرحلة البلوغ. ومن خلال هذه المراحل، يطوّر الأطفال تصورات ذهنية للعالم يستخدمونها لفهم الأحداث والاستجابة لها وقد تم تتويج هذه المستويات لشخص لديه قيم وأهداف وغايات (أي أصبح كائنًا مهنيًا). في الوقت الحاضر، يتفق معظم الباحثين الأطفال على أن الطفل متعلم نشط ولكن لا ينظر إلى التطور في مراحل منفصلة.
يمكن تقدير هذا التفاعل بين قدرات الطفل وتجربته في التطور المبكر لاستخدام الأداة. كما يمكن للأطفال في عمر 8 إلى 10 أشهر التعامل مع شيئين ويمكنهم تحريك عقبة للوصول إلى شيء مثير للاهتمام أو جديد (المرحلة الحسية). بحلول 12 شهرًا، يمكن للأطفال ربط الأشياء بأشياء أخرى، بالإضافة إلى ربط الأشياء بأنفسهم.
في هذه المرحلة، يستخدم الأطفال عصا لإشعال شيء بعيدًا عن متناولهم ووضع الأشياء في حاويات (جهاز استشعار). في عمر 18 شهرًا، يبدأ الأطفال في استخدام التجربة والخطأ لحل المشكلات (قبل الجراحة). وفي عمر 24 شهرًا، لم يعد الأطفال بحاجة حصريًا إلى التلاعب الجسدي لحل المشكلات والبدء في إثبات استخدام التلاعب العقلي (قبل الجراحة).
أظهرت الدراسات البحثية في التسعينيات أن الهياكل المعرفية تتطور في أعمار أقدم ممّا افترض بياجيه، كما أظهروا أيضًا أن نمو الطفل يتمتع بقدر أكبر من الاستمرارية والتكامل عبر مراحل النمو. في عمر شهر واحد، يُظهر الأطفال القدرة على ربط التعلم من نظام حسي بنظام حسي آخر. على سبيل المثال، يتعرفون على الأشياء بأعينهم التي شعروا بها سابقًا في أفواههم. وجد الباحثون أن الأطفال الرضع في عمر 9 أشهر يمكنهم تذكر حدث بعد أسبوع من حدوثه.
يبدو أن حل المشكلات يتطور في وقت أبكر مما هو متوقع، كما تظهر الدراسات التنموية أن الأطفال الصغار يمكنهم التلاعب بالأدوات واستخدامها ويمكنهم حل مشكلات مثل كيفية الإمساك بالملعقة واستخدامها. وبعد الإمساك بالملعقة بشكل محرج، يمكن للأطفال من سن 9 إلى 14 شهرًا تعديل اتجاه الملعقة لإدخال الطعام في الفم. حيث يمكن للأطفال الذين تبلغ أعمارهم 19 شهرًا التخطيط لكيفية الإمساك بالملعقة وتوجيهها للحصول على الطعام قبل التصرف، وتجنّب استخدام الملعقة، فهم محرج يتطلب تعديلًا.
في عمر 19 شهرًا، يمكن للأطفال حل المشكلات دون التلاعب الجسدي والتجربة والخطأ للتعامل مع الأداة بدقة. بحلول هذا العمر، يمكن للطفل أن يغرف الطعام ويملأ الملعقة ويوجهها بشكل صحيح نحو الفم، ممّا يدل على الظهور المبكر لاستخدام الأداة.
انتقد العلماء ووسعوا نظريات بياجيه الأصلية لتقدير تمامًا كيف تؤثر البيئة على التنمية. على سبيل المثال، تفتقر نظريات بياجيه إلى التقدير الكامل لتأثير الثقافة والمجتمع والتكنولوجيا على نمو الأطفال. كما تعتبر نظريات العلاج المهني الحالية أن هذه المتغيرات لها أدوار مهمة في نمو الطفل. بالإضافة إلى ذلك، لم تتناول نظريات بياجيه تطوّر العواطف ولم يكن لديها تفسير متماسك للاختلافات الفردية أو الفردية أو التباين. كما تم تسليط الضوء على التباين في عمل علماء النفس الآخرين وباحثي العلاج المهني.
يعدّ فهم نظرية بياجيه أمرًا مهمًا للمعالجين المهنيين الذين يقدمون التدخلات للأطفال. بغض النظر عن النهج العلاجي المستخدم في العلاج، حيث يتفاعل المعالج المهني مع طفل مفكر يتعلم باستمرار من بيئته. من الضروري أن يكون اختيار النشاط وهيكله متوافقين مع النمو المعرفي للطفل.

3- تأثير التفاعل الاجتماعي على التعلم:

اقترح منظّر تنموي آخر، مفاهيم جديدة تشرح كيف يتعلم الأطفال من خلال التفاعل مع بيئتهم، فقد فهم أن الجينات لها تأثير لا لبس فيه على التنمية، ومع ذلك، افترض أن الطفل يتطور من خلال استيعاب التفاعلات الاجتماعية التي يمر بها.
للتفاعل الاجتماعي تأثير أساسي على نمو الطفل الإدراكي واللغة. حيث تتطلب المعالجة المعرفية للطفل أولاً مساعدة كائن آخر ضمن تفاعل اجتماعي قبل أن يتمكن الطفل من المعالجة العقلية بمفرده. كما أن المعالجة المعرفية هي عملية اجتماعية قبل أن تكون عملية داخلية ويعتمد نمو الطفل وتعلمه بشكل حاسم على التفاعل الاجتماعي. كما يتم تحديد التعلم أساسًا ثقافيًا والأنشطة ذات القيمة الثقافية هي سياق نمو الطفل.
حدد الباحثون “منطقة التطور القريب” لشرح كيفية حدوث التعلم من خلال التفاعل الاجتماعي. كما أن منطقة التطور القريب هي “المسافة بين المستوى النمائي الفعلي على النحو الذي يحدده حل المشكلات المستقل ومستوى التطور المحتمل كما هو محدد من خلال حل المشكلات تحت إشراف الكبار أو التعاون مع أقران أكثر قدرة”. يا له من طفل يمكن أن يحقق ويتعلم بمساعدة شخص آخر هو منطقة التطوّر القريب ويحدد المنطقة التي يمكن أن يعمل فيها البالغون مع الطفل لتعزيز نمو الطفل واستقلاليته في مهارة معينة، ما يمكن للأطفال القيام به بمساعدة الآخرين قد أن تكون أكثر دلالة على نموهم العقلي مما يمكنهم القيام به بشكل مستقل.
عندما يواجه تحديًا مناسبًا (على سبيل المثال، مهمة أصعب قليلاً من المهام التي يتقنها الطفل حاليًا)، يحاول الطفل عمومًا هذا التحدي وينجح فيه ويتعلم الخطوة التالية في تنمية المهارات.
الآلية التي من خلالها يتعلم الأطفال في التفاعل الاجتماعي تسمى “السقالات” حيث يعد الدعم المقدم من قبل مقدمي الرعاية والمعلمين. كما أن أداء السقالات داخل منطقة نمو الطفل القريبة هو العملية التي يقوم من خلالها المعالج المهني بدعم أو توجيه إجراءات الطفل لتحسين الكفاءة. ويعدّ التوجيه المناسب هو المقدار المناسب تمامًا من الدعم الذي يمكّن الطفل من الأداء على مستوى أعلى.
عند استخدام السقالات لتسهيل تعلم الطفل، يقلل البالغ تدريجيًا مقدار الدعم المقدم بحيث يؤدي الطفل بشكل أكثر استقلالية. ومن خلال هذه العملية، يتم استيعاب الإجراءات التي يتم دعمها خارجيًا. إن طلب المساعدة من الطفل في نشاط ما يمكن أن يكون مهمًا لتعلمه مثل تلقي المساعدة من خلال طرح الأسئلة وطلب المساعدة، يصبح الطفل أكثر توجيهًا ذاتيًا في تعلمه، كما أنه يطوّر فهمًا لتعلمه وكيفية توجيه التفاعلات الاجتماعية التي يمكن أن تؤدي إلى تعلمه. عندما يفهم المعالج المهني منطقة نمو الطفل القريبة ويدرك طرقًا لدعم تعلمه، يمكن للمعالج تصميم نشاط مثالي لتعزيز تعلم الطفل.

المصدر: كتاب" مقدمة في العلاج الوظيفي" للمؤلفة سمية الملكاويكتاب" اسس العلاج الوظيفي" للمؤلف محمد صلاحكتاب"إطار ممارسة العلاج الوظيفي" للمؤلفة سمية الملكاويكتاب"dsm5بالعربية" للمؤلف أنور الحمادي


شارك المقالة: