أحداث حصار كمرجه

اقرأ في هذا المقال


بداية حصار كمرجة

في عام (729) تمكن الحاكم العربي الجديد أشرس بن عبد الله السلمي، من عبور نهر أوكسوس ودخول بخارى ضد مقاومة كبيرة من قبل التورجيه وحلفائهم الصغديين، كان انتصار الأمويين ليس سهلًا، وانسحبت قوات التورجش باتجاه سمرقند، وأصبحوا قريبين من قلعة كمرجة العربية، وهي بلدة محصنة – حوالي 42 كيلومترًا (26 ميلاً) – غرب سمرقند.

أن الحصار اللاحق لكمرجة، والذي ورد في كتاب “تاريخ الأنبياء والملوك” للطبري، على حد تعبير المؤرخ هيو إن كينيدي، “واحدًا من أكثر مجموعات الحرب وصفًا بوضوح”، اقترب الجيش التركي بقيادة خاقان سلوك، والذي ضم فرق فرغانة، الترابند (عاصمة شاش ، طشقند الحديثة)، أفشينه (بلدة بالقرب من سمرقند)، نسف وبخارى على طول طريق بخارى – سمرقند.

أحداث حصار كمرجة

وصل التورجش والصغديين إلى كمرجة وأقاموا معسكرًا، لكن الحامية العسكرية في المنطقة لم تكن على علم بخطتهم حيث تم مراقبة تحركاتهم بواسطة تل، في صباح اليوم التالي، وقد ذكر الطبري أن العرب أخذوا حيواناتهم للسقاية وتسلقوا التل، اندهشوا من مواجهة “الجبل الفولاذي” لجيش أعدائهم.

حاول العرب جذب الانتباه فقد قاموا بإرسال بعض حيواناتهم إلى أسفل التل باتجاه النهر، وبعد ذلك رجعوا إلى المدينة، وبذلك كشف التورجيه تحركاتهم، وبدأوا بمطاردتهم، إلاّ أن القوات الأموية كانوا على معرفة بتضاريس المنطقة أكثر من التورجش وحلفائهم، مما مكنهم من الوصول إلى المدينة وإيجاد مغارة يختبؤون بها قبل ان يصل إليهم التورجش.

بدأت المعركة وكانت حامية الوطيس، قام التورجش بمهاجمة البوابات وكانوا يحاولون الدخول إلى المدينة، قام العرب الأمويين بجمع الخشب وإشعاله بالنار وبعد ذلك بدأوا بقذفه عليهم، وبذلك انسحب التورجش عبر الخندق في المساء انسحبوا وقام الأمويين بإحراق الجسر الخشبي الممتد فوق الخندق.

قام الخجان التورجشي بإرسال مبعوثين إلى للأمويين وتذكر المصادر أن خسرو حفيد يزدجر الثالث وهو آخر ملك فارسي ساساني، هو أول من اقترب من الباب، ويُذكر أن والد خسرو بيروز، قد قام بالهروب واللجوء إلى بلاط تانغ في الصين، وبذلك توجه خسرو من اجل الانضمام للتورجش من أجل استعادة مجد أجداده.

قام خسرو بالاقتراب من الحامية العسكرية الأموية وبدأ بالمفاوضات معهم وطلب منهم الاستسلام، إلاّ أن الأمويين رفضوا عرضه بشده ويذكر الباحثين المستشرقيين أن الأمويين كانوا يأخذون أن وجود خسرو “هو إشارة على أن الثورات والتمردات كانت تدعمها الصين أيضًا، على الرغم من أن السجلات الصينية لم تذكر أي معلومة عن هذه الحملة”.

وعندما لم يستطع خسرو النجاح في المفاوضات، قام الخاجان ببعث أحد السكان المحليين بزغاري، من أجل التفاوض مع الحامية العسكرية الأموية، وقاموا بإخذ بعض الأسرى العرب لتخويفهم، كما وقام الخاقان بعرض على القاعدة العسكرية الأموية بأن يضمها إلى قواته ويقوم مقابل ذلك بزيادة أجرهم أضعاف، إلا أن هذا الاقتراح أيضًا فشل وبشدة من قبل المفاوض العربي يزيد بن سعيد البحيلي والذي تم اختياره بالمفاوضات بسبب معرفته باللغة التركية.

كان رد يزيد بن سعيد البحيلى قد اثار غضب بزغاري ومن يرافقه من التورجش، وقاموا بتهديده بالقتل أدرك يزيد الخطر الذي يحيط به، فقام بمساومتهم على تقسيم الحامية، أن تنقسم القوات الأموية إلى قسمين قسم يحمل الثروة والأموال ويعطى الأمان ويرجع، والنصف الآخر يقاتل مع قوات التورجش، ويُذكر أنه تم قبول العرض ورجع لينقل نتيجة المفاوضات للقوات التركية، ولكن عندما رجع يزيد البحيلي رفض الشروط وقام بتشجيع القوات الأموية على المقاومة.

أمر القائد التركي الخاقان قواته العسكرية بملء الخندق بالخشب الأخضر حتى لا يحترق، وبالصدفة قامت الحامية الأموية بإلقاء الخشب الجاف، بعد عدة أيام عندما امتلأ الخندق، قام الأمويين بإضرام النار فيه وساعدت على اشتعاله الرياح القوية، ضاعت جهود التورجش من غير فائدة.

استطاعت قوات الرماة الأمويين من يقوموا بعملهم بمهارة، حيث قتلوا العديد من قوات التورجش بما في ذلك البازاغاري. وبعد ذلك قام الخاجان بإعدام مئة أسير على مرأى ومسمع من الحامية، وكانت ردة فعل الأمويين بأنهم قاموا بإعدام مئتين من الرهائن.

ذكرت الكثير من الأحداث في المصادر التاريخية، والتي اعتمدت في تدوينها على روايات شهود عيان، أنه بدأ هجوم التورجش على البوابة، واستطاع مجموعة من الأتراك من أن يتسلقوا الجدار قبل صدهم، قام الأمير الصغدي بمحاولات بكسر الحائط واستطاعوا اقتحام منازل السكان الأبرياء، استخدم العرب الكثير من التعزيزات والإحتياطات الأمنية والعسكرية، جاء الخاجان التركي لاستكشاف التحصينات العربية، ويُذكر أنه أصيب بسهم.

استطاعت قوات الدولة الأموية أن تثبت نجاحها وقدرتها على المقاومة مما أغضب الخاجان التركي، الذي قام بإلقاء اللوم على حلفائه الصغديين بسبب قولهم أنهم سيتمكنون من السيطرة على المدينة خلال خمسة أيام، إلاّ أن الوقت طال وامتدت الأيام الخمسة إلى ستين يوم، مما أجبر الخاجان على استئناف المفاوضات مرة أخرى، وعرض الأمان على منطقتي الدبوسية وسمرقند والتي كانتا تحت حكم العرب الأمويين.

طلبت الحامية العسكرية للدولة الأموية المشورة، وأُشير لهم بالذهاب إلى الدبوسية وهي أقرب إلى كامرجة، تبادل الأمويون والتورجش الأسرى، وصلت الحامية الأموية إلى الدبوسية، وانسحبت قوات التورجش.

المصدر: فجر الإسلام: يبحث عن الحياة العقلية في صدر الإسلام إلى آخر الدولة الأموية (الطبعة العاشرة سنة 1969). تاريخ الأمم الإسلامية 1-2: الدولة الأموية (1969). محمد الضخري بك. المكتبة التجارية الكبرى.الدولة الأموية: من الميلاد إلى السقوط (2006). محمد قباني. دار الفاتح - دار وحي القلم.الكامل في التاريخ – المجلد الرابع, ابن الأثير (1979). عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن أبي الكرم الشيباني. دار صادر.


شارك المقالة: