الخليفة المكتفي بالله علي بن أحمد المعتضد

اقرأ في هذا المقال


الخليفة المكتفي بالله علي بن أحمد المُعتضد:

هو علي بن أحمد المعتضد، ولد في غرة ربيع الثاني من عام (264 هجري)، وأمه أم ولد تركية اسمها (جيجك) ويضرب بحسنها المثل. وكان ذو جميل الربع، ذو لون رقيق، حسن الشعر، ذو لحية خفيفة، يُلقب أبا محمد. بويع بالخلافة بعد موت أبيه المعتضد لثمان بقين من ربيع الثاني من عام (289 هجري)، وكان يومها بالرقة، فأخذت البيعة له، فجاء إلى بغداد فدخلها في السابع من جمادى الأولى، وسار بالرعية سيرةً حسنة فأحبه الناس ودعوا له.

وتوفي في الثاني عشر من شهر ذي القعدة من عام (295 هجري)، فكان عمره اثنتين وثلاثين سنة. وفي عهده فتحت إنطاليا عنوةً من بلاد الروم وذلك عام (291 هجري). وقد انتشرت القرامطة في أيامه كثيراً، وانصرف لقتالهم، وتمكن من أولاد زكرويه، ومن زكرويه نفسه ‏كما مرّ معنا، وكذلك فقد تخلص من الطولونيين بعد أن ضعف أمرهم، أما الدعوة العبيدية في بلاد المغرب فقد انتشرت على نطاقٍ واسع.

أهم الأحداث التي جرت في عهد المُكتفي بالله:

تم ذِكر أن رستم بن الحسين بن حوشب النجار قد أرسل من اليمن إلى المغرب داعيتين هما: (الحلواني)، و (أبو سفيان)، وقد قاموا بتنشيط الدعوة هناك، وبذرا بذرة غير الدين. ولم يلبثا أن ماتا، فلما أتى خبر وفاتهما إلى ابن حوشب قال لأحد أصدقائه وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا من أهل صنعاء، وقد صحبه بعدن، وكان من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم ودهاء ومكر.

خرج أبو عبد الله إلى مكة والتقى بحُجاج كتامة بعد أن سأل عنهم، ثم صحبهم فوصولوا إلى أرض كتامة في منتصف شهر ربيع الأول من عام (280 هجري)، فاجتمع عليه البربر حتى عظم أمره، وبلغ خبره إلى إبراهيم الثاني بن أحمد بن الأغلب فأرسل إلى عامله على مدينة (ميلة) يسأله عن أمره فصغّره له، فسكت عنه، وتفرّقت كلمة البربر بسببه، ووقعت بينهم حروب ثم اصطلحوا.

وتزايد الخطر الذي صدر منه فبعث إليه إبراهيم الثاني الأغلبي ابنه الأحول في اثني عشر ألفا فهزم أبا عبد الله، فركن أبو عبد الله إلى الهدوء وبنى لنفسه داراً للهجرة وأتاه البربر، ثم توفي إبراهيم الثاني أمير بني الأغلب عام (289 هجري)، ثم ولده عبد الله عام (290 هجري)، وتولّى أمر الأغالبة زيادة الله الثالث وكان مُنصرفاً إلى اللهو، وهذا ما دعا إلى زيادة قوة أبي عبد الله وكان قد قاتل الأحول أيام أخيه عبد الله، وانتصر عليه إلا أن الأحول قد بقى قريباً منه ينازله.

فلما تولى أبو مضر زيادة الله استدعى الأحول وقتله، فدعا عندئذ أبو عبد الله للمهدي، وتوسعت أفكار المهدي حتى أضحى عدد من وزراء الأغالبة ويرغبون في نجاح أبي عبد الله . وأمّا المهديّ، فإنّه لما تُوفّي عبد الله بن ميمون القداح ادّعى ولده أنهم من ولد عقيل بن أبي طالب، وهم مع هذا يسترون ويُسرّون أمرهم، ويخفون أشخاصهم.

وكان ولده أحمد هو الذي تم اختياره إليه منهم فقد مات، وخلفه ولده محمد، وكان هو الذي كان يكتب للدعاة في البلاد، ومات محمد، وخلفه الحسين، فذهب الحسين إلى سلمية من أرض حمص وله بها ودائع وأموال من ودائع جدّه عبد الله القداح ووكلاء وغلمان، وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلغلغ.

وكان الحسين ينشر الكلام أنه صاحب الوصاية وصاحب الأمر والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه، واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية فوصفوا له امرأة رجلٍ يهودي حدادٍ مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن ‏ فتزوّجها، ولها ولد من الحداد يُماثلها في الجمال فأحبّها، وحسن موقعها معه، وأحبّ ولدها وأدّبه وعلمه فتعلّم العلم وصارت له نفس عظيمة وهمّة كبيرة، ولما انتشرت دعوة أبي عبد الله في المغرب أرسل رجالاً من كتامة إلى الشام ليخبروا المهدي بما فتح الله عليه إلا أن سلمية كانت مهددة من قبل القرامطة.

وكان عبيد الله في الرملة قد فرَّ من وجه الخليفة واستطاع أن يلتقي برجال كتامة وأن يوهمهم أنه الإمام فأسرّوا له بما عندهم، فشدَّ العزم واتجه نحو مصر ومعه ابنه نزار أبو القاسم، واتخذ عبيد الله صفة التاجر، وشاع الخبر أيام المكتفي فأرسل إلى عامله بمصر يأمره بطلب عبيد الله، وقد قبض عليه ولكن أوهمه أنه غير ما يطلب وأظهر التدين أمامه فرَقَّ له وأطلقه.

فذهب إلى طرابلس، وبعث بعض من معهُ إلى القيروان، فعلموا أن الخبر قد سبقهم، وقبض عليهم فأنكروا. وسار عبيد الله إلى قسطيلة ومنها إلى سجلماسة، وكان ما يسير من مكانٍ إلا ويطلبه العامل بعد أن يكون قد خرج. وأهدى عبيد الله إلى صاحب سجلماسة وهو المنتصر اليسع بن ميمون بن مدرار، فقربه المنتصر وأحبه حتى أتاه كتاب زيادة الله الأغلبي يعرفه أن ضيفه إنما هو الذي يدعو له أبو عبد الله عندئذ قبض عليه وحبسه، وبقى في سجنه حتى أخرجه أبو عبد الله.

واشتد ساعد أبي عبد الله، فأرسل له زيادة الله الجيش إثر الجيش فكانت تهزم أمامه فوصل قسنطينة، وتبسة، والقصر، وذهب نحو رقادة ففرَّ منها زيادة الله إلى مصر، وفرَّ منها أهلها هائمين على وجوههم إلى القصر القديم، وإلى القيروان، وإلى سوسة، ودخل أهل القيروان مدينة رقادة ونهبوا ما فيها، ونُهبت قصور بني الأغلب، وجاء إبراهيم بن أبي الأغلب ابن عم زيادة الله وقائد جيشه فدخل القيروان، وتكلم عن زيادة الله وإفساده ووعدهم بالدفاع عنهم، وطلب منهم الطاعة والمساعدة فرفضوا، فخرج عنهم.

وجاء أبو عبد الله ودخل رقادة، ووجد الناس ينهبون فلم يتعرض لهم، ونُقل الخبر إلى القيروان ففرح أهلها وخرج وجهاؤها إلى لقاء أبي عبد الله وسلموا عليه وهنؤوه بالفتح، وتكلموا عن زيادة الله فأعطاهم أبو عبد الله الأمان وذلك في مطلع رجب من عام (296 هجري)، ثم ولّى على إفريقية أخوه أبو العباس محمداً، وسار هو نحو سلجماسة بجيشٍ كبير.

المصدر: ❞ كتاب الدولة العباسية ❝ مؤلفة محمود شاكر أبو فهر الجزء الثاني صفحة (102 – 106)❞ كتاب أطلس تاريخ الدولة العباسية ملون ❝ مؤلفة سامي بن عبد الله بن أحمد المغلوث❞ كتاب سلسلة تاريخ الأدب العربي العصر العباسي الأول ❝ مؤلفة شوقي ضيف❞ كتاب تاريخ الدولة العباسية 132-656هـ ❝ مؤلفة د.محمد سهيل طقوش


شارك المقالة: