آباء المسلمون هم من يؤسسون الجيل القادم، والأبوة مهمة في الإسلام؛ لدرجة أنها الأساس الرئيسي لهوية جميع المسلمين، قال الله تعالى: “ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ”، الأحزاب، 5، وهذه الآية تثبت أساس واجبات الآباء تجاه تربية أبنائهم، وهي تشمل: الرفقة والنفقة المالية والثقافة الإسلامية، وبناء القناعة في إيمانهم وتأديبهم، وحسن الخلق منهم لأبنائهم، وفي الواقع يمتد دور الآباء إلى ما هو أبعد من ذلك.

 

أهمية أخلاق الوالدين في الإسلام

 

إن من الضروريات على الأسرة المسلمة اختيار الزوج والزوجة الصالحين ذوي الأخلاق الفاضلة، وقال رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”، رواه الترمذي.

 

شبّه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تعاليمه عن الأمة الإسلامية بتعاليم الأب بقوله: “إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ”، سنن أبي داود، فهو أخبر أنه مثل الأب بالنسبة للناس بالطريقة التي يعلمهم بها؛ وهذا دلالة على أهمية أخلاق الآباء لتربية الأبناء.

 

دور الآباء كرفقاء لأبنائهم

 

في حين أن الأب والأم هم مدرسين وموجهين منضبطين للأبناء، فهم أيضًا الرفيقان اللطيفان واليقظان لطفلهما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لطيفًا في رعايته لبناته، قالت عائشة رضي الله عنها، أم المؤمنين:

 

“ما رأيتُ أحدًا كانَ أشبَه سمتًا وَهديًا ودلًّا برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من فاطمةَ كانت إذا دخلت عليهِ قامَ إليها فأخذَ بيدِها وقبَّلَها وأجلسَها في مجلسِه وَكانَ إذا دخلَ عليها قامت فأخذت بيدِه فقبَّلتهُ وأجلستهُ في مجلسِها”، إسناده صحيح، وهذا دلالة على حسن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوة لنا مع أبنائنا وخاصة فيما يتعلق بالتربية الإيمانية للأبناء.

 

ويواجه الآباء اليوم تحديًا كبيرًا في ظل التحديات التي تضر بالدين الإسلامي، بحيث تقل أهمية قضية العقيدة وهي شبه غائبة، لذا يجب على الأب المسلم ذو الأخلاق الحميدة أن ينتبه جيدًا إلى التعاليم الإسلامية الراسخة والمتقنة لتأسيس الإيمان في شخصية أبنائه؛ ومن هنا يجب اختيار صاحب الخلق والدين عند اختيار الزوج على بقية الصفات الأخرى.

 

وإن الآباء الذين يتسمون بالأخلاق الفاضلة، يجعلون الدعاء الثابت والدائم لأبنائهم في كل الأوقات؛ لأنهم هم أولئك الذين لا يتم رفض دعوتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابُات لَهُنَّ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَدِ دعاء المسافر والدعاء الوالد على ولده”، رواه الترمذي.

 

تأثير أخلاق الآباء على الأبناء

 

بغض النظر عن الأخلاق التي يتعامل بها الآباء والأمهات مع أبنائهم، يجب على الأبناء أن يقدروهم ويحترموهم، وفيما يلي ثلاث فوائد يلعب بها الآباء دورًا مهمًا في حياة أبنائهم:

 

1- القدوة

 

الآباء هم أحد النماذج الأولى التي يتطلع إليها الأبناء وهم يكبرون، وتعزز تصرفات الآباء السلوك وتثبته، بينما يتطلع الأطفال إلى تقليدهم، وهذا يشمل كيف يعامل الآباء أنفسهم ويتصرفون ويعاملون الناس من حولهم.

 

يميل الأطفال أيضًا إلى أن يكونوا أكثر تعاطفًا وكرمًا، مع زيادة الوعي باحتياجات وحقوق الآخرين، ويقدم الأب الذي يظهر احترامًا صحيًا للآخرين في حياته مثالًا رائعًا على الأبناء الذين يرغبون في عكس ذلك في حياتهم.

 

2- تعليم الأبناء كيفية تلقي الحب

 

إن الآباء يلعبون دورًا مهمًا في حياة أبنائهم، فإن الكثير مما يتعلمه الأبناء عن الحياة يأتي من الوالدين، منذ سن مبكرة، حيث يلتقط الأبناء الطريقة التي يعامل بها آباؤهم وأمهاتهم مع والديهم وإخوانهم، بطريقة الحب والعطف.

 

ويجب على الآباء أن يجسدوا كيف سيبدو الزوج المستقبلي لأبنائهم، وتساعد الطريقة التي يتعامل بها الأب مع الأم البنات على تعلم كيفية تلقي الحب وإعطائه، والأهم من ذلك كيف يتوقعن أن يُحببن ويُعاملن كنساء.

 

ويكون الآباء المسلمين الخلوقين قدوة لما يبدو عليه الرجل والمرأة النبيلين، حيث يضع الآباء الحدود الأخلاقية وتوقعات علاقة الأبناء مع الجنس الآخر في مرحلة البلوغ، وهناك العديد من الدراسات العلمية التي توضح كيف تميل الفتيات إلى اختيار شريك له نفس الصفات أو الشخصية مثل آبائهم؛ وهذا يدل على مدى تأثر الأبناء بأخلاق آبائهم.

 

وعندما ترى الابنة أو الابن أن والدهما يعامل والدتهما بشكل جيد؛ فإنهما يتعلمان أن المرأة جديرة بالاهتمام، وأن المرأة يجب أن تتعامل بأقصى درجات الاحترام.

 

3- إعطاء الثقة بالنفس للأبناء والشعور بقيمة أنفسهم

 

يلعب الآباء أيضًا دورًا مهمًا في مساعدة الأطفال وخاصة البنات على اكتساب الرعاية الذاتية واحترام الذات، وهذا يتجاوز التواصل حيث يعطف الآباء على بناتهم ويثنون عليهم، حيث يساعد الأب على تنمية احترام ابنته لنفسها وتشكيل تصورها للجمال، ويؤثر وجوده على الذكاء العاطفي للطفل واحترام الذات والثقة.

 

وأخيرًا قد لا يكون آباؤنا بالضرورة حنونين في إظهار الحب مثل أمهاتنا، ولكن يكفي أن آبائنا وأمهاتنا ربّونا على الأخلاق السليمة التي هم أيضًا اكتسبوها من آبائهم، وكذلك الدور الذي لعبوه في نموّنا كأشخاص أخلاقيين فعالين صحيحين سليمين في المجتمع.