القرآن الكريم ضَرب لنا الكثير من الأساليب الفنية لصياغة اللوحة الفنية الرائعة ، التي تدل على إعجازه، وخاصّة في إبراز المعاني بقالب حسن يقرِّب القرآن إلى العقول والأفهام.

وفي صورة حيَّة تثبت في الأذهان، ومن ذلك تشبيه الغائب بالحاضر، وقياس النظير على النظير، والمعقول بالمحسوس قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَیۡءࣲۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ (٤٢) وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَـٰلِمُونَ (٤٣)﴾ صدق الله العظيم [العنكبوت ٤٢-٤٣] وقال تعالى ﴿ ۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ صدق الله العظيم [الحشر ٢١] .

تعريف المثال:

والأمثال: هو جمع مثل، والمثَل، والمثِل والمثيل: كالشبه والشبه.

والمثل في كتاب الله تعالى: هو إبراز المعنى في أجمل صورة وبطريقة موجزة لها، ولها وقع وقع في النفس سواء كان التشبيه أو قول مرسل.

وهناك الكثير من الآيات التي فيها التشبيه الصريح مثال ذلك قوله تعالى في كتابه العزيز ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا یَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَـٰمُ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّیَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَاۤ أَنَّهُمۡ قَـٰدِرُونَ عَلَیۡهَاۤ أَتَىٰهَاۤ أَمۡرُنَا لَیۡلًا أَوۡ نَهَارࣰا َ﴾ صدق الله العظيم [يونس ٢٤]

ومثال ذلك التشبيه الضمني الذي تمَّ فيه حذف الممثل له مثال قوله تعالى في كتابه العزيز ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَیُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن یَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِیهِ مَیۡتࣰا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابࣱ رَّحِیمࣱ﴾ صدق الله العظيم[الحجرات ١٢]

الفرق بين الأمثال والقصص.

هناك فرق كبير بين القصص والأمثال، وإن وجد قدر مشترك من تنبيه في ذهن السّامع إلى أخذ العبرة والقياس في فهم الآية.
وهنا الفارق هو: أنّه لا يشترط في صحّة الأمثال أن تكون الواقعة تاريخية ثابتة، بل يشترط  إمكان وقوعها، حتى يتم التسنِّي للذهن كما تصورها كما لو أنّها وقعت فعلاً.

ولا يعني هذا أنّنا نشترط في موضوع الأمثال عدم الصحّة، في نطاق الواقع التاريخي، فربّما يتم ضرب المثل بقصة واقعة؛ ويتم تسمية القصّة في هذه الحالة (تمثيلاً) وذلك لأنَّه كان سبب وردها للتمثيل لا للإخبارعنها.

أهمية الأمثال في القرآن .

إنَّ معرفة البحث في موضوع القرآن الكريم، مهم جداً ولا بد للعالم المجتهد، والقارىء المعتبر والفاهم، فقد أخرج الإمام البيهقي عن أبي رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  (إنَّ القرآن نزل على خمسة أوجه: حلال وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فاعلموا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال) صدق رسول الله .

نماذج من أمثال القرآن مع تحليلها:

المثال الأول :
قوله تعالى في كتابه العزيز﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِی ظُلُمَـٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡیࣱ فَهُمۡ لَا یَرۡجِعُونَ أوۡ كَصَیِّبࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ فِیهِ ظُلُمَـٰتࣱ وَرَعۡدࣱ وَبَرۡقࣱ یَجۡعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمۡ فِیۤ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَ ٰ⁠عِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِیطُۢ بِٱلۡكَـٰفِرِینَ یَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ یَخۡطَفُ أَبۡصَـٰرَهُمۡۖ كُلَّمَاۤ أَضَاۤءَ لَهُم مَّشَوۡا۟ فِیهِ وَإِذَاۤ أَظۡلَمَ عَلَیۡهِمۡ قَامُوا۟ۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَـٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ ) صدق الله العظيم[البقرة]

في هذه الآيات عدََّة امثلة يوضح الحق فيهما في كتابه حال المنافقين، الذين لا يجدون عندهم الشجاعة لكي يواجهوا الحق الصريح بالإيمان، ولا يجدوا عندهم الحق بالإنكار الصريح، فهم يلبسون ظاهر الدين لكي يكسبوا مغانمه ويبتعدوا عن مغارمه، مع ذلك يعودون في نهاية الموضوع خائبين راجعين خاسرين.

المثال الثاني: قول الله تعالى في كتابه العزيز ﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ (١٧٤) وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِیۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ ءَایَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِینَ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥۤ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَیۡهِ یَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ یَلۡهَثۚ ذَّ ٰ⁠لِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ صدق الله العظيم [الأعراف]

في هذه الآيات القرآنية التي تشعُّ نوراً وحكمةً مثال واضح للإنسان الذي قام بالانحراف عن المنهج السوي والفطرة الصحيحة، وقام بنقض عهد الله تعالى، ثمَّ نكص على عقبيه، بتركه لآيات الله تعالى، بعد أن أعطاه الله الفرصة والهداية للرجوع إلى الطريق الصواب، لكي يرتفع إلى الحق والصواب، ولكنّه رفض والتصق بالأرض، فاستولى عليه الشيطان، وطُرد من حمى الله تعالى، فأصبح ممسوخاً كالكلب يلهث إن طُورد، ويلهث إن لم يطارد .