إنَّ لنزول القرآن الكريم وقعٌ كبيرٌ في نفوس العالم أجمع منذ نزول القرآن الكريم إلى يومنا هذا، فالقرآن الكريم من أفضل النعم التي أنعم الله بها علينا ويجب أن نعتز ونفتخر بها اعتزازاً عظيماً وأن ندافع عنها ما أوتينا من قوةٍ وطاقة إلى يوم القيامة، ولكن اختلفت أقوال العلماء في نزول القرآن الكريم، والصحيح والمشهور هما قولان سنتعرف عليهم في هذا المقال.

 

نزول القرآن الكريم جملة

 

وهو نزول القرآن الكريم من الله سبحانه وتعالى إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان المبارك، ومن ثمَّ ينزله سيدنا جبريل عليه السلام إلى سيدنا محمد حسب حاجته له، “وعن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” قال” أُنزل القرآن جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض” رواه البيهقيُ والحاكم.

ومدة نزول القرآن الكريم جملة كان ليلة واحدة هي ليلة القدر.

 

الحكمة من نزول القرآن الكريم جملة

 

تعظيماً وتشريفاً للقرآن الكريم، وتعظيماً للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتفضيله على باقي الأنبياء والرسل لكونه حامل هذه الرسالة، الرسالة الأخيرة لهذا العالم، وتشريفاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان وإثبات أنَّ الله عز وجل عالم بالغيب لسائر الأمور جميعها.

 

نزول القرآن الكريم مفرقا

 

هو نزول القرآن الكريم مفرقاً على الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة حسب الأحداث التي تكون وقت نزولها، قال تعالى: “وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا” (سورة الإسراء: 106).

 

وجعل الله عز وجل القرآن مختصاً بهذا النزول عن سائر الكتب الإلهية السابقة لهُ التي كانت جميعُها تَنزلُ جملةً واحدةً على الرسل عليهم السلام، قال تعالى: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا”، (سورة الفرقان:32).

 

واسطة تنزيل القرآن الكريم مفرقا

 

قال تعالى “نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)” (سورة الشعراء)، نزل القرآن الكريم بواسطة جبريل عليه السلام كله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد أخذ جبريل عليه السلام القرآن الكريم من الله عز وجل مباشرةً، وسمعه منه حرفاً وصوتاً، ونزل به جبريل عليه السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كما سمعه بلفظه ومعناه وأداه، قال تعالى: “قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ” (سورة النحل: 102).

 

واليوم الذي بدأ نزول القرآن الكريم فيه مفرقا هو يوم الإثنين، عن قتادة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين؟ قال: “ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت فيه أو أنزل عليَّ فيه” رواه مسلم.

 

ومدة نزول القرآن الكريم مفرقا ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة وعشر سنين بالمدينة المنورة من بعثته صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته.

 

الحكمة من نزول القرآن الكريم مفرقا

 

1- تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

2- تيسير فهمه وحفظه.

 

3- مسايرة الأحداث والوقائع.

 

4- الجواب على الأسئلة وبيان الإشكالات على الصحابة رضوان الله عليهم.

 

5- التدرج في التشريع.

 

6- استمرار التحدي والإعجاز.

 

7- إثبات أن القرآن الكريم من الله تعالى ولن يأتِ بمثلهِ أحد.

 

وعن أماكن نزول القرآن الكريم مفرقا فقد نزل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة وفي غيرهما، لكن هناك ضوابط لنزوله فما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الهجرة النبوية المشرفة فهو مكي و ما نزل بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو مدني.

 

وبالنسبة لمقدار ما كان ينزل من القرآن الكريم مفرقاً فلم يكن لنزول القرآن الكريم مقداراً ثابتاً، أحياناً كان ينزل آية، وأحياناً بعضُ آية، وأحياناً تنزل خمسُ أو عشر آيات وهو الغالب، وأحياناً تنزل سورة بأكملها طويلة كانت كالأنعام، أو قصيرة كالفلق والناس.

 

وكان نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم إما ابتداءً وهو الأغلب وإما بسبب حدث وقع أو مسألة، لهداية الناس ولحاجتهم إليه.

 

أول ما نزل من القرآن الكريم مفرقاً

 

إن للعلماء أقوالاً في ذلك:

 

القول الأول: أول خمس آيات من سورة العلق، وهو القول الراجح.

 

والدليل ما روي من حديث عائشة -رضي الله عنه- وجاء فيه “حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارٍ حِرَاءٍ؛ فَجَاءَهُ الْمَلِكُ فَقَالَ اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِيءٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِيءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنَّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِيءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ:اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)” (سورة العلق:1-5).

 

القول الثاني: سورة المدثر، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن أبي سلمة بن عبدالرحمن سأَلْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ: ” أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ ؟ قال: “يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ”، فقلتُ: أَوْ (اقْرَأْ) ؟ فقالَ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ:(جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي ! وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، قال: فَدَثَّرُونِي وَ صَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فنزَلَتْ:”يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ“.(سورة المدثر:1-2).

 

القول الثالث: سورة الفاتحة، ودليل ذلك حديث أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لورقة : “إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هارباً في الأرض” فقال لا تفعل، فإذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿1﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿2﴾ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿3﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿4﴾ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿5﴾ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿6﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴿7﴾” (سورة الفاتحة: 1-7).

 

القول الرابع: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ“، والدليل على ذلك ما رواه الواحدي عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن الكريم بمكة، وأول سورة: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ“.

 

آخر ما نزل من القرآن الكريم مفرقا

 

منهم من قال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ” (سورة البقرة:278) وهذا قول عمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهم.

 

ومنهم من قال: “وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” (سورة البقرة: 281) .

 

ومنهم من قال: آخر آية نزلت هي آية الدين “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ” (سورة البقرة:282).

 

والمتفق عليه أن آخر سورة نزلت هي سورة النصر.

 

في النهاية لا يوجد قول ثابت على كيفية نزول القرآن الكريم، لكننا يتوجب علينا الإيمان بكيفية نزوله كان مفرقاً أم جملة، مهما اختلفت طريقة وصوله إلينا فقد وصل إلينا وشرفنا الله عز وجل بجعلنا قوم خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم.