خروج قوم موسى عليه السلام من مصر:

قال تعالى: “وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ” طه:77. بعد أن انتهت المعرمة بانتصار الحق وآمن السحرةُ بموسى، انهدم بذلك جزءٌ من سطوة فرعون وجبروته، فجمع موسى بني إسرائيل وهم بقايا ذرية يعقوب عليه السلام، وسارَ بهم شرقاً إلى الأرض المقدسة في فلسطين، فتبعهم فرعون وجنوده، وأصبحو في خوفٍ شديد؛ لأن البحر أمامهم وفرعون من خلفهم، فلا مفرّ من القتل على يدِ فرعون وجنوده أو الموت غرقاً في البحر وهذا حكم القضايا البشرية المعزولة عن منهج الله، لكن القضايا البشرية عند المؤمن قائمةً على الإيمان بمنهج الله تعالى؛ ولذلك فالمؤمن حينما تصيبه مصيبةً في الدنيا يذكر الله ويقول: لا كربٌ وأنتَ ربّ فما دام اللهُ ربنا فإنه يُهون كلّ كرب يقع لنا في الدنيا؛ لانه سبحانه لن يتركنا أبداً، ونحن ضربنا مثلاً ولله المثلُ الأعلى، وقلنا: هبَ إنسانٌ معه “جنيه” ثم فقده ففي هذه الحاله يغضب هذا الإنسان إذا لم يكن معه غيره، لكن إنّ كان معهُ غيره أو له رصيدٌ في البنك أو في الخزانة، فإنه لا يغضب ولا يحزن، فكذلك المؤمن إذا ضاع منه شيء لا يحزن؛ لأنّ عندهُ رصيد، ورصيدُ المؤمن هو إيمانه بربه الذي لا تنفذُ عطاياه، ولا يتخلى عن عبادهِ أبداً، فالله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يضرب لقومه طريقاً في البحر، والضرب هو إيقاعُ شيء من ضارب بآلةٍ على مضروبٍ؛ ليصبح صالحاً للإستعمالِ؛ ولذلك كانوا يكتبون على نقود الفضة أو الذهب ضرب في مصر، فمعنى ضرب النقد: أي أنه مّ سكهُ وختمهُ وصار عملةً، فبعد أن كان معدناً أصبح عُملةً نقديةً متداولةً.

ظاهرة جديدة من معجزات موسى عليه السلام:

ولكن أن يضرب موسى عليه السلام لقومهِ طريقاً يابساً في البحر، فهذه مسألةٌ غريبة في قوانين البشر؛ لأن اليبس هي أرضٌ صلبة يابسة، والبحرُ ماء فكيف يحدث ذلك في عُرف البشر؟ لقد أوحى الله تعالى إلى موسى وقومهِ بأنه هو المتكفلُ في هذا الأمر، وقال لهم: اضرب البحر بعصاك ولا تخشَ أن يدركك فرعون أو أن يُغرقك البحر؛ أي لا تخف دركاً من فرعون ولا تخشى غرقاً من البحر؛ لأن الطريق مضروب، ولذلك تجد المعجزةُ مع موسى غريبةٌ جداً:عصا يضرب بها ماءً فيصيرُ ما تحت العصا يبساً وما حولها جبالاً، ويضرب بها الحجر فيتفجرُ منه الماء، ويُلقيها على الارضِ فتصبحُ حيةً تسعى.


ومعنى “أسرِ” أي امشي ليلاً؛ لأنه أسترُ عليك من عيونِ فرعون، ثم يقول الله تعالى: “فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ” طه:78-79. فهنا ألحق الله تعالى في هذه اللقطة لم يذكر لنا ماذا قال قوم موسى له، ولكنه ذكر ما قالوه في لقطةٍ أخرى، فقال الله تعالى: “فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ” الشعراء:61.


فإذا تكررت القصة فيجب أن نفهم أن في كلِ تكريرٍ لقطةٍ جديدة، فإذا جُمعت كل اللقطات فإنها تعطيك القصة كاملة، فلما قالوا: “إنّا لمُدركون” طمأنهم موسى عليه السلام بقوله: “قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” الشعراء:62. فقال لهم كلا هذه ليست من عندي ولكنها من عند الله؛ لأنّ ربي هو الذي سيهديني إلى طريق النجاة، فالقرآن الكريم يُعطينا لقطاتٍ متعددة تخرج منها القصةُ كاملةً، وكلمة غشيهم معناها غطاهم من البحر ما غطاهم، وأنحن حين نبالغ في شيء فقنقول قد حدث ما حدث وحصل ما حصل، فأنت تُبهم الشيء؛ لأنك لا تقدر على الإحاطة به في التفصيل، كذلك قوله تعالى: “فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ” أي أنه أمرٌ مهول ولا يمكن حصره وهذه لقطة غير موجودة في القصة نفسها أو هنا، فموسى عليه السلام حينما مشى في الطريق اليبس ونجا بقومه بني إسرائيل واتبعه فرعون بجنوده، فأراد أن يضرب البحر بعصاه؛ ليعودوا كما كانوا حتى لا يسلكه فرعون وراءه، وكان هذا اجتهاداً منه، ولكن الوحي الإلهي أمره أن يترك البحر كما هو، فقال تعالى: “وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ” الدخان:24.


وكانت الحكمة من ترك البحر على حالةِ إغراء فرعون وجنوده بالسير في الطريق اليبس، حتى إذا كان الجنود داخلهُ أرجع اللهُ الماء إلى استطراقِ سيولته؛ فيغرقُ فرعون وجنوده، فيكون الله تعالى قد أنجى وأهلك بالشيء الواحد. ومعنى: “وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ” أي أنه قادهم إلى طريق الظلال والهلاك؛ لأنه كان دائماً يدعي أنه يقود قومه ويهديهم إلى سبيل الرشاد، كما في قول الله تعالى: “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ” غافر:29. فقد كذب فرعون في هذا الزعم؛ لأنه قادهم إلى الهلاك والغرق، ولم يهديهم إلى سبيل الرشاد.