وهي الكلمة التي انتهت فيها الآية، مثل قرائن السجع، وقوافي الشعر قال الإمام الجعبريّ: «وهو خلاف المصطلح ، ولا دليل له في تمثيل سيبويه (يَوْمَ يَأْتِ) صدق الله العظيم(هود : ١٠٥) ، و (ما كُنَّا نَبْغِ) صدق الله العظيم (الكهف : ٦٤) ، وليس رأس آية  ؛ لأنّ مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ؛ ويلزم أبا عمرو  إمالة (مَنْ أَعْطى) صدق الله العظيم (الليل : ٥) لأبي عمرو، وقال القاضي أبو بكر: «الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع ، يقع  بها إفهام المعاني» وقد فرّق الإمام أبو عمرو الداني بين الفواصل ورءوس الآي ،قال : «أمّا الفاصلة فهي الكلام المنفصل ممّا بعده.


والفاصلة تأتي عندما يريد المتكلم أن يستريح في الكلام، ولكي نجود بها الكلام؛ وهي الوسيلة التي يختلف القرآن بها باقي الكلام. وتسمّى فاصلة ؛ لانفصال الكلام عندها ؛ وذلك أنّ آخر الآية من كلام الله، يتم الفصل بينها وبين يأتي بعدها، ولم يسمّوها (أسجاعاً)، فأما مناسبة «فواصل» ، كلقوله تعالى : (كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ) صدق الله العظيم (فصّلت : ٣) وأما تجنّب «أسجاع» ، فلأن أصله من سجع الطّير ، فشرّف القرآن الكريم أن يستعار لشيء فيه لفظ هو أصل في صوت  الطائر ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام المخلوق في اسم السّجع الواقع في كلام عامة الناس ، ولأنّ القرآن من صفات الله عزوجل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صحّ المعنى، ثم فرقوا بينهما فقالوا : «السّجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه ، والفواصل التي تتّبع المعاني ولا تكون مقصودة في نفسها» قاله الرّماني في [كتاب] «إعجاز القرآن» ، وبنى عليه أنّ الفواصل بلاغة ، والسجع عيب.

وكذلك قال به القاضي الباقلاني  في كتاب «إعجاز القرآن» ، ونقل عن الأشعرية منع ووجود السجع في القرآن، «وذهب كثير من مخالفيهم  إلى وجوده في كتاب الله ، وزعموا أن ذلك ممّا يتبيّن فيه فضل الكلام وأنّه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة ، كالتجنيس ، والالتفات ونحوها»، قال : «وأقوى ما استدلوا به الاتفاق [على] أنّ موسى أفضل من هارون عليهما‌السلام ، ولمكان  السّجع قيل في موضع : (هارُونَ وَمُوسى) صدق الله العظيم (طه : ٧٠) ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل : (مُوسى وَهارُونَ) صدق الله العظيم (الشعراء : ٤٨) قالوا : وهذا يفارق أمر الشعر لأنّه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلاّ مقصوداً إليه، وما جاء في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كلّه غير مقصود إليه». [قال] : «وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع ؛ قال أهل اللغة : هو موالاة الكلام على رويّ  واحد. قال ابن دريد : «سجعت الحمامة : [معناه] ردّدت صوتها»

وقد نفى جماعة من العلماء ، وقالوا: غير صحيح وجود السجع في القرآن؛ ولو وجد السجع في القرآن لكان غير خارج  عن أساليب خطابه للكفار؛ كذلك لو وجد السجع في القرآن لتم نفي إعجاز كتاب الله تعالى إعجاز ، ولو جاز أن يقال : هو سجع معجز ، لجاز لهم أن يقولوا : شعر معجز. وكيف! والسجع مما كانت كهّان العرب تألفه ؛ ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجّة من نفي الشعر ؛ لأن الكهانة تنافي [النبوات] بخلاف الشعر» ، «وما توهموا [من] أنه سجع ، باطل ؛ لأنّ مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو ؛ لأنّ السجع يتّبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع ؛ وليس كذلك ما اتفق ممّا هو في معنى السجع من القرآن ؛ لأنّ اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى. وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه ، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ.

وعند وجود علاقة بين المعنى بالسجع أفاد السجع كإفادة باقي الكلام، وعند وجود علاقة بين المعنى بنفسه خلاف السجع كان سبب في تجويد الكلام خلاف تصحيح المعنى قال : «وما  ذكروه في تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع لأجل السّجع ، وتساوي مقاطع الكلام فمردود ، بل الفائدة فيه إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدّي معنىً واحداً ، وذلك من الأمر الصّعب الذي تظهر فيه الفصاحة ، وتقوى البلاغة ولهذا أعيدت كثير من القصص على ترتيبات متفاوتة ؛ تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله.


ومن العلماء الذين قالوا بوجود السجع في القرآن الخفاجيّ  في كتابه «سر الفصاحة» فقد رد الذين قالوا : إنّ السجع لا يجوز، والفواصل بلاغة فغير صحيح، فإنّه إن أراد بالسجع ما يرافق المعنى. وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة ، والفواصل مثله. وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلّف فذلك عيب والفواصل مثله» قال : «وأظن الذي دعاهم إلى تسمية كلّ ما في القرآن فواصل ولم يسمّوا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن  الوصف اللاحق بغيره من الكلام المرويّ عن الكهنة وغيرهم ، وهذا غرض في التسمية قريب، والحقيقة ما قلنا، وتم تخصيص فواصل الشّعر تحت مسمى (القوافي) لأنّ الشاعر يقفوها ولا يتبعها في الشّعر لا يخرج عنها ، وهي في الحقيقة فاصلة لأنّها تفصل آخر الكلام. فالقافية أخصّ في الاصطلاح ، إذ كلّ قافية فاصلة، ولا عكس. ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى، لأنّ الشرع لما سلب عنه [اسم] الشّعر وجب سلب القافية أيضا عنه لأنّها منه، وخاصة به في الاصطلاح، وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن، لا تنطلق  الفاصلة في الشعر، لأنّها صفة لكتاب الله، فلا تتعدّاه.