الاختصاص القضائي في فسخ العقود الإدارية

 

يتطلب مبدأ فصل السلطات، كما أكده الفقيه الفرنسي مونتسكيو، الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع التعاون المتبادل والسيطرة بين كل من هذه السلطات في العقد الإداري، حتى لا تتعدى بعضها البعض. وهذا يتطلب في النهاية وجود رقابة قضائية فعالة على الصلاحيات الموكلة إليها بموجب الدستور لنشر العدل والأمن في المجتمعات البشرية. ومنذ العصور القديمة، كانت العدالة وسيلة لتسوية الخلافات التي قد تنشأ بين أفراد الجنس البشري والتي يلجأ إليها الفرد للحصول على حقه.

 

ومن هذا المنطلق نرى أن الإدارة بصلاحياتها يمكن أن تفرض عقوبات على المقاول إما بقرارها أو بحكم قضائي، حيث تهدف إلى إبرام عقودها للصالح العام. في ضوء الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة، يجد المقاول نفسه غير قادر على فرض أي عقوبة على الإدارة التي انتهكت بشكل خطير تنفيذ التزاماتها التعاقدية وبالتالي من الطبيعي أن يلجأ المقاول إلى القضاء للمطالبة به بحقوق تجاه الإدارة.

 

ويصعب الحصول على طلب فسخ العقد الإداري لخطأ الإدارة دون وساطة القضاء، نظرا لخطورة هذه العقوبة من عقوبات أخرى، حيث تنهي الرابطة التعاقدية بين الطرفين. وإذا كنا بصدد تحديد فكرة القضاء المختص للنظر في منازعات العقود الإدارية، حيث نجد ملزمين بمعالجة نظامين ساد في دول العالم، أجد من الضروري إبراز كل منهما لتسليط الضوء عليه. ولقد ساد النظام القضائي الموحد في كثير من دول العالم وبريطانيا هي الدولة الأم التي احتضنت هذا النظام بين صفوفها ولعل السبب في ذلك هو تقديس هذا البلد وتشابهه مع الحقوق والحريات الفردية ودعوته إلى ذلك. المساواة بين الأفراد كحكام ومحكوم.

 

وأدى ذلك إلى إثارة الكراهية والبغضاء لدى البريطانيين تجاه القضاء الإداري، حيث يمنح الإدارة امتيازات على حساب الأفراد. كان اتجاه رفض نظام العدالة الإدارية في طليعة وتأييد العديد من الكتاب والسياسيين الإنجليز. ولكن سرعان ما ظهر جانب من جوانب الفقه الإنجليزي يدعو إلى ضرورة إنشاء قضاء إداري في بريطانيا على غرار ما هو معمول به في فرنسا، مشيرًا إلى انتقاد راي الفقيه (داسي) وأنصاره.

 

مفهوم القانون الإداري

 

إذا أكد معرفة بريطانيا بمفهوم القانون الإداري بالمعنى الواسع، فإن الخلاف هو أن إنجلترا ليس لديها محاكم إدارية متخصصة في النظر في نوع معين من النزاعات تكون الإدارة طرفًا فيها والتي تتمتع فيها الإدارة بامتيازات ذلك تتجاوز قدرة المتعاقد معها. والقضاء الموحد: يقصد به اختصاص المحاكم العدلية العادية في النظر في جميع المنازعات على اختلاف درجاتها وأنواعها مع وحدة القانون.

 

وسارت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا على خطى بريطانيا في هذا الأمر، لكن تمسك الأخيرة بالعدالة العادية لم يدم طويلاً. وعلى وجه الخصوص انعكست آثار الحرب العالمية الثانية في تدخل الدولة في مختلف مجالات الحياة. وقد أدى ذلك إلى زيادة عدد وتنوع الدعاوى المرفوعة أمام القضاء العادي، الأمر الذي استدعى إسناد أمر الفصل في المنازعات الإدارية، إما إلى سلطة إدارية من خلال تكليف الوزير بمهمة الفصل في قضايا معينة أو تشكيل هيئة مكونة من عدد من الخبراء أو المختصين في موضوع النزاع. وسميت هذه اللجان بالمحاكم الإدارية، كما أعطى المشرع للإدارة الفرصة لإصدار قرارات أو أوامر نهائية، خالية من أي رقابة قضائية، مثل قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة.

 

أما النظام الآخر الذي تبنته الدولة اللاتينية وعلى رأسها فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ومصر وسوريا ولبنان والجزائر والعراق ودول أخرى فهو نظام قضائي ثنائي يتطلب وجود بعثتين قضائيتين كل منهما مختصة. وعند النظر في نوع معين من النزاعات الأولى: السلطة القضائية العادية ، المختصة بالنظر في النزاعات التي تنشأ بين الأفراد مع بعضهم البعض أو مع الإدارة، إذا كانت تتصرف وفقًا لأحكام القانون الخاص، تترأسها المحكمة.

 

ومحكمة النقض في فرنسا ومحكمة النقض في مصر ومحكمة النقض في العراق والأردن والأخرى هي السلطة القضائية الإدارية التي تتولى مهمة الفصل في المنازعات ذات الطابع الإداري ويرأسها محكمة ادارية عليا بتسميات مختلفة. من الشائع الحديث عن القضاء الإداري؛ لأن فرنسا هي مهد القضاء الإداري والأساس الذي نشأت منه ونشأته رغم أن الحضارات القديمة عرفت هذه الفكرة في بدايتها الأولى.

 

أما ما عرفته فرنسا، فقد كان نتيجة ظروف تاريخية وسياسية معينة هي التي فرضت ضرورة إيجاد مثل هذا الأسلوب القضائي، خاصة إذا علمنا أن رجال الثورة الفرنسية فسروا مبدأ فصل السلطات من منظور خاطئ مبني على على الفصل التام دون أدنى رقابة أو تعاون مما استدعى الحاجة إلى إيجاد جهاز قضائي مستقل عن صلاحياته عن القضاء العادي وكذلك كل هذا الأثر الذي خلفته المحاكم العادية التي كانت تسمى (البرلمانات)، وقفت أمام كل عملية إصلاح تقوم بها الإدارة.

 

أهمية إنشاء قضاء إداري مستقل عن القضاء العادي

 

لذلك قرر رجال الثورة الفرنسية إنشاء قضاء إداري مستقل عن القضاء العادي، مما دفع الجمعية التأسيسية إلى إصدار قانون 16-24 أغسطس 1790، والذي نص في المادة 13 على أن (الوظيفة القضائية مستقلة ومنفصلة من الوظيفة الإدارية) وهكذا تم تكليف الإدارة بمهمة الفصل في الخلافات التي تنشأ بين الإدارة والأفراد في إطار ما يسمى (الإدارة القضائية)، لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، خاصة بعد إنشاء مجلس الدولة الفرنسي. والمجالس الجهوية، التي مُنحت سلطة النظر في المنازعات المتعلقة بالأشغال العامة بناءً على قانون 28 بلوفيوس، الصادر في العام الثامن من الثورة الفرنسية.

 

ومع ذلك، لم يفوض مجلس الدولة هذا الاختصاص في المنازعات الإدارية حتى عام 1872، وظل الوضع على حاله حتى صدر قرار كادوت في 13 ديسمبر 1889، والذي أصبح مجلس الدولة بموجبه القاضي الأصلي في المنازعات الإدارية و صاحب الاختصاص العام للنظر في جميع المنازعات الإدارية بما في ذلك العقود الإدارية. وفيما يتعلق بالعدد الكبير من الدعاوى المرفوعة أمام مجلس الدولة الفرنسي، فقد عمل المشرع الفرنسي على تحديد النزاعات التي تقع ضمن اختصاص مجلس الدولة، بينما فتح الباب على مصراعيه أمام المحاكم الإدارية (المجالس الإقليمية سابقًا) بمرسوم في 30 سبتمبر 1953.

 

وبذلك أصبحت هذه المحاكم هي الاختصاص العام للنظر في المنازعات الإدارية فيما يتعلق بشرعية القرارات الإدارية، وكذلك صلاحية العقود الإدارية مع إمكانية الطعن في أحكامها أمام مجلس الدولة. وتعد مصر من الدول التي اتبعت النهج الفرنسي للعدالة الإدارية منذ إنشاء مجلس الدولة المصري بموجب القانون رقم 112 لسنة 1946، رغم المحاولات اليائسة لذلك من عام 1879 إلى عام 1939، وبلغت ذروتها بصدور المجلس المصري. من قانون الدولة رقم 112 لسنة 1946. إلا أن التأسيس الأخير لهذا المجلس أدى إلى حقيقة أنه لا يغطي جميع النزاعات الإدارية، حيث كانت الخلافات حول العقود الإدارية تخضع للاختصاص العادي. ومع ذلك، فقد عمل على إلغاء القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري دون أن يكون لها أي تأثير على العقد والذي يظل من اختصاص المحاكم العادية.

 

اتبع مجلس الدولة الفرنسي هذا الاتجاه لبعض الوقت. استطاع المشرع المصري أن يتجنب النواقص والقصور التي أحاطت بالقانون 112 لسنة 1946 بإصداره القانون رقم 9 لسنة 1949 والذي نص في مادته الخامسة على أن المحكمة الإدارية هي التي تفصل في المنازعات المتعلقة بعقود الالتزام والأشغال العامة والتوريد الإداري. والعقود التي تتأسس بين الحكومة والطرف الآخر في العقد، ورفع دعوى في هذه الحالة أمام المحكمة المذكورة يترتب عليه عدم جواز رفعها أمام المحكمة الإدارية).

 

أخذ هذا القانون على تعريف العقود الإدارية التي تقع ضمن اختصاص المحكمة الإدارية بثلاثة عقود فقط، متناسياً العقود الأخرى التي تحمل علامة إدارية، مثل عقد المساهمة في نفقات مشروع عام، كإغلاق. العلاقة بين هذا العقد وعقد الأشغال العامة تجعل المحكمة الإدارية هي السلطة المختصة بالنظر في منازعات العقد

 

علاوة على ذلك، لم يقصر المشرع المصري الاختصاص المحلي للنظر في منازعات العقود الإدارية على المحكمة الإدارية فقط، بل جعل الاختصاص القضائي مشتركًا بين المحكمة الإدارية والمحاكم العادية، بل رتب رفع الدعوى أمام المحكمة الإدارية. ولا يتم رفعه أمام المحكمة العادية. وبالمقابل فإن هذا الموقف يفسر عدم نضج فكرة عقد إداري في مصر بالدرجة التي وصلت إليها في فرنسا. وأما قانون مجلس الدولة رقم 165 لسنة 1959، فقد أوكلت مهمة الفصل في منازعات العقود الإدارية إلى محكمة القضاء الإداري، وكذلك تغطية جميع العقود الإدارية.