الحد من الفساد في المؤسسات العامة المستقلة

 

الأبنية القوية لا تبنى على أسس ضعيفة، وكذا المؤسسات، خاصة المؤسسات القوية، فهي ضرورية للتعافي من الأزمات وتحفيز التنمية الاقتصادية. في بعض الدول، هناك العديد من المؤسسات المستقلة التي يجب أن تكون نظريًا محصنة ضد التدخل السياسي وتساعد في تحسين الأداء القطاعي، ولكن في الممارسة العملية لديها مشاكل هيكلية تجعلها أدوات من أجل خدمة مصلحة معلنة، مما يؤدي إلى انخفاض القدرة التنافسية في البلاد والاستثمار إيقاف عن العمل.

 

تم تصميم الهيئات العامة المستقلة للعمل وفقًا لآلية خاصة تمكنها من اتخاذ القرارات الإدارية واستخدامها والوصول إلى الموارد بشكل مستقل تمامًا. وتم تحديد خصائص هذه المؤسسات خلال إعادة تنظيم ما بعد الحرب الأهلية، وهي المرحلة التي سعت فيها الحكومات المتعاقبة إلى توسيع دور القطاع العام إلى جانب تطوير القطاع الخاص. وعلى الرغم من أنهم يعملون في وكالات عامة مستقلة، إلا أنهم مهتمون بزيادة أرباح القطاع الخاص.

 

في الواقع، أدى التركيز على تعظيم الأرباح الخاصة من توفير الرعاية الصحية إلى تفاقم عدم المساواة وإضعاف المستشفيات الحكومية، في حين أن الإصلاحات في قطاع الطاقة، مما دفع المواطنين إلى تحويل شركة المرافق في البلاد والتي تعتبر مرافق الكهرباء فاسدة. وعيوب هيكلية هناك اتجاهات واضحة تهيمن على آليات عمل المؤسسات العامة المستقلة أبرزها ضعف الحكم ووهم الاستقلال، ينعكس في عمق المشاركة السياسية وغياب المساءلة في هذه المؤسسات.

 

يحدث الفساد في وقت واحد مع الاستقلالية وتوافر الموارد، ولكنه أيضًا نتيجة لزيادة التدخل السياسي في عمليات صنع القرار والتوظيف ويتفاقم في غياب آليات لتعزيز المساءلة عن الإجراءات الملموسة. وفي الواقع، فإن مشاركة البعض أدى الوزراء في عملية صنع القرار الإداري داخل هذه الهيئات إلى زيادة الالتباس حول استقلالهم المزعوم والحدود بينهم وبين الوزراء، مما كان له آثار حقيقية على عملية صنع القرار المتعلقة بالتوظيف، خاصة بعد أن قام مجلس الوزراء بمراجعة آلية صنع القرار وربطه بالموافقة.

 

الفجوات الهيكلية داخل الهيئة

 

في الواقع، يعود نقص المساءلة إلى الفجوات الهيكلية داخل الهيئة، وتمتد أوجه القصور إلى جميع مراحل عملها، من التصميم إلى التنفيذ ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

 

  • غموض يحيط بسلطة الوكالة ووظائفها.

 

  • نقص أو ضعف الرقابة التنظيمية.

 

  • التقييم المعيب والتنسيق التنظيمي في الواقع، تنص القاعدة العامة على أنه يجب الفصل بين ملكية الوكالة ومجلس الإدارة والتنفيذي. نتيجة لذلك، عندما لم تعد الخطوط الفاصلة بين المالك وإدارة وحدة الأعمال المستقلة واضحة، فإن المسؤوليات مشتتة ويصبح من المستحيل الاستجابة للإجراءات. ويتفاقم الوضع بسبب عدم وجود هيئة رقابية من أجل مراقبة أداء الأجهزة الأخرى المرتبطة بالقطاع الاقتصادي للهيئة العامة المستقلة. ونتيجة لذلك، انحرفت السلطات العليا عن ممارسة صلاحياتها وواجباتها واستبدلت بوزراء وتولت السيطرة على عملية صنع القرار وتركت الهيئات العامة المستقلة عرضة لمخاطر الفساد الإداري والمصالح الخاصة الراسخة حريصة على الربح.

 

فشل الإصلاح مع تصاعد الأزمة الاقتصادية، تتضاعف الحاجة إلى الإصلاح حيث لم تعد الدولة قادرة على تحمل تكاليف الوضع الراهن ويتجه المواطنون بشكل متزايد إلى القطاع العام للحصول على الخدمات. ومع ذلك، فإن الإصلاحات لا تحدث في فراغ، والمؤسسات القوية شرط أساسي لاعتمادها وتنفيذها. في أعقاب الاحتجاجات التي شهدتها لبنان في أكتوبر / تشرين الأول في سنة 2019، والفشل في سداد ديون العملة الأجنبية لأول مرة في تاريخها في مارس / آذار في سنة 2020، تزايدت الدعوات إلى حوكمة أقوى عبر القطاعات، لكنها تلقت استجابة شاملة.

 

لا توجد إرادة سياسية تمنع حدوث أي عمل. إصلاح فعال في الواقع، شهدت البلاد ظهور حزمة من “الإصلاحات التجميلية” التي غرست وهم التغيير دون أي تأثير حقيقي على النتيجة النهائية، مما أدى إلى استمرار الفساد المنهجي. وبدلاً من تعيين الأعضاء على أساس معايير الخبرة والكفاءة والمصداقية والاستقلالية، يلجأ مجلس الوزراء إلى خيارات التخصيص الطائفية والسياسية. بعد أسابيع قليلة من توليه منصبه، خضع المجلس الجديد لأول اختبار له منذ تفجير ميناء بيروت الذي ألحق أضرارًا بالغة بمقر الشركة الرئيسية، وقتل المئات وجرح الآلاف وألحق أضرارًا بالمركز الوطني لمراقبة الأضرار والشركة. والسجلات والمحفوظات الرقمية حول هذا الموضوع.

 

كما تشير الهيمنة الطويلة الأمد للمصالح الخاصة في قطاع الرعاية الصحية والمستشفيات الحكومية إلى الحاجة الملحة للإصلاح المؤسسي ورقمنة العمل. أدت المحاولات البسيطة للتطوير والاستثمار في المستشفيات الحكومية إلى تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية للمواطنين، ولكن بسبب الافتقار إلى الرقابة والشفافية وضعف معايير التوظيف والإدارة ونقص الرقمنة في عملية الحفاظ على المريض الطبي السجلات هذا يقلل من كفاءة إدارة القسم العام.

 

يتسبب الفساد الإداري في ديون ضخمة ويقلل من جودة الحياة والقدرة التنافسية. ويعتمد التعافي الاقتصادي المستقبلي وجذب رأس المال على الحد من الفساد وتحسين الأداء المؤسسي، مما يجعل من الضروري الالتزام بخطة تحول قوية وطويلة الأجل. وفي الواقع، تعد هذه التحولات جزءًا لا يتجزأ من الإصلاحات المؤسسية وتتطلب بطبيعة الحال التزامًا سياسيًا، حيث تقوم أولاً بإنشاء هيئات رقابة وتنظيمية مستقلة، وتحدد الوظائف من حيث تمثيلها لمختلف أصحاب المصلحة، ثم دمجها في إطار أوسع للإصلاح. ومنح الاستقلال المالي، فضلاً عن القوة والقدرة على تقييم الجودة التنظيمية والتنسيق مع أصحاب المصلحة واتخاذ قرارات إدارية مستقلة عن المصالح السياسية الرئيسية.

 

تشمل المتطلبات الرئيسية الأخرى من أجل ضمان نجاحها من خلال إشراك خبراء مستقلين على أساس معايير الكفاءة والمؤهلات المهنية العالية، وتحديد سلطاتهم المؤسسية بوضوح للتخفيف من مخاطر تقويض السلطة وفقدان المساءلة. وإن إنشاء آليات رقابة ومساءلة مناسبة أمر ضروري للإصلاحات المؤسسية وتجنب الوقوع في فخ أوجه القصور الماضية ويتطلب تعزيزها مشاركة مدنية. وبالطبع، هذه الآليات ضرورية ليس فقط لتحسين الأداء والخدمات القطاعية ولكن أيضًا لضمان التعافي الذي يركز على الناس والذي تم تناوله في إطار الإصلاح والإنعاش وإعادة الإعمار في بعض الدول العربية مثل دولة لبنان، حيث صدر في تاريخ كانون الأول (ديسمبر) في عام 2020 وأوصى بتنفيذه كتحسين الشفافية و المساءلة، وضمان بيئة تمكين فعالة، بما في ذلك المنظمات غير الحكومية في جميع المراحل من التشاور إلى الرقابة.

 

توفر الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد الإداري خارطة طريق عملية ومؤشرات قابلة للقياس من أجل دعم جهود الإصلاح القطاعي بما يتماشى مع هدفها السابع (تدابير شاملة من أجل منع الفساد على المستوى القطاعي) للتكامل التدريجي مع منصات لمنع الفساد المؤسسي عبر القطاعات.