يُعتبر النثر أحد أجزاء الكلام، فالقولُ كلّه إمّا أن يتمّ نظمه على هيئة شعر، أو أن يكون على هيئة قول منثور، بخصوص النثر هو عبارة عن نوع من أنواع التعبير الأدبي، كما أنّه يُعتبر فن من فنون الحديث، وغير مرتبط بوزنٍ أو بقافيةٍ، ويعتبر المثل نوع فريد من أنواع النثر، وفي هذا المقال سنوضح الأمثال الجاهلية وخصائصها وأبرز هذه الأمثال.

 

تعريف الأمثال لغة واصطلاحا

 

المثل لغة: المثل: النظير والعبرة، والمِثْل الشبه والتوافق وجمعها أمثال، والمَثَل الحجة والدليل، والمثال المقدار القصاص.

 

المثل اصطلاحًا: المَثَل جزء من الحكم، يذكر في حادثة أو مناسبة توجبت حضور الأمثال فيها، ويتم انتشارها بين الناس في الحوادث المتشابهة، ومنها ما هو دارج بين الناس والقسم الآخر متداول على الألسنة، أيضًا هو عبارة قصيرة مفيدة متناقلة شفهياً بين الناس.

 

الفرق بين الحكم والأمثال

 

قبل التطرق في الكلام عن أبرز الحكم والأمثال في الزمن الجاهلي لا بُدّ من توضيح كلٍّ من الحكمة والمثل وبيان الاختلاف فيهما، والحكم والأمثال إبداع نثري تم إيصالهما للناس كما نطق بهما أصحابُهما من غير تغيير أو تبديل، ولا إطالة فيه أو نقصان لما تتمتع به من تركيز دقيق واختصار شديد، بالإضافة إلى إمكانية حفظها وشيوعها على ألسنة الناس في كل الأوقات.

 

وبذلك تكون أدق ما ظل ووصل من المؤلفات الجاهلية والأقرب إلى أصولها، وإن كانت لا تعبر تعبير كامل عن النثر في الزمن الجاهلي، الحكم والأمثال تعد من الفنون التي توضح الوضع الاجتماعي والسياسي، وهي عبارات موجزة بليغة تخلو من الإطالة، وقد تولدت من تجارب الحكماء وكبار السن في الحياة بالإضافة إلى الروابط بين الناس، وهي كذلك نتاج ناضج من نتاج العيش الطويل الذي ينبثق عنه الرأي السديد.

 

والاختلاف بينهما يرجع إلى أنّ الحكمة كلام مختصر يحتوي حُكمًا سليمًا للأشياء كونه منبثق من واقع الشخص، وما تكبده من تجارب في الحياة.

 

أمّا المثل يرتبط في الأساس بقصّة أدت إليه ثم توجهت إلى نطاق الأمثال، أيضًا الحكمة تختلف عن المثل في أنّها تتولد في أغلب الأحيان عن مجموعة محددة من الناس لها تجاربها وخبرتها في الحياة بعكس المثل الذي ينبثق عن كافة الناس، وقد سجل العرب أهم الحكم والأمثال في الزمن الجاهلي ممّا دفع على حفظها وتداولها على الألسنة، مع أنّ أكثر هذه الحكم والأمثال لا يُعرف من قائلها.

 

الخصائص الفنية للحكم والأمثال

 

يعتبر الكلام حول أهم الحكم والأمثال في الزمن الجاهلي أمر مهم ولا بدّ من إبراز أهم السمات لها، فقد وجدت انتشار واسع في الزمن الجاهلي لإيجازها وتأصل ما فيها من حكمة، أيضًا توصلها للغرض المطلوب منها، وصدق تعبيرها عن حياة الناس كافة وأخلاق المجتمع كذلك، ومن أبرز الخصائص الأدبية للحكم والأمثال في الزمن الجاهلي هي:

 

1- قصر اللفظ والحياكة الجيّدة.

 

2- الوصول للمعنى المقصود.

 

3- إجادة التشبيه من خلال استعمال قواعد البلاغة.

 

4- دقة الكناية والتشبيهات.

 

5- إدراجها بطريقة سهلة ومتواضعة لا وجود لصنعة الإنشائية فيها.

 

6- روعة الصنعة والتعبير.

 

أسباب انتشار الحكم والأمثال في العصر الجاهلي

 

وجدت الحكم والأمثال شهرة واسعة في الزمن الجاهلي، حيث أنها ذاعت على ألسنة الناس، وربما يرجع ذلك لما اتصفت به العرب من طلاقة اللسان وبلاغته وأحداث متعددة في الحياة، ومن أهم من نظموا الحكم والأمثال في الزمن الجاهلي:

 

1- لبيد بن ربيعة.

 

2- قس بن ساعدة.

 

3- امرؤ القيس.

 

4- ربيعة بن حذار.

 

5- عامر بن الظرب العدواني.

 

6- سهيل بن عمرو.

 

7- هرم بن قطبة الفزاري.

 

8- أكثم بن صيفي التميمي.

 

كما أنه من الممكن إيجاز أبرز العوامل التي قادت لانتشار أهم الحكم والأمثال في الجاهلية على لسان الناس كما يلي:

 

1- الفطرة وطبيعتها والتي تنتشر فيها الأمية وترتفع الحاجة فيها إلى التجارب بهيئة أقوال لها معنى صادق.

 

2- تعلق المثل بِحادثة أو قصة أدت إلى انتشاره.

 

3- تأليف الأمثال في أغلب الأوقات في عبارة جيدة يظهر فيها براعة التشبيه بين مصدر المثل والحادثة التي تولد فيها المثل ويتقبله الذوق العربي.

 

4- انتشار الحِكم على اللسان وذلك لارتباطها بالأحداث وأخذ العِبرة من الحوادث والتمكن من جهة البلاغة.

 

أشهر الحكم والأمثال في العصر الجاهلي

 

لقد تميز العرب في نظم أهم الحكم والأمثال في الزمن الجاهلي في جميع المواقف والأحداث التي لا يزال أغلبها رائجًا إلى هذا الزمن. فلا يكاد يمر موقف في حياتهم العامّة إلّا ونظم فيه مثلًا، ولا تخلو أيضًا خطبة ولا شعر في الأدب العربي من مثل أو حكمة معينة تؤثر في حياة النّاس.

 

فالأمثال والحكم هي أدق كلام عن أخلاق الأمم وثقافتها وتقاليدها، ونظرًا لحياتهم البدويّة التي تعج بالحروب والصراعات، فقد تولد عن تلك الأحداث مجموعة من الحِكم والأمثال تضمنت معانٍ كثيرة، وفيما يأتي ذكر أهم الحكم والأمثال في الزمن الجاهلي ما يلي:

 

1- “مَصارعُ الرجالِ تحتَ بروقِ الطمع” وهذه الحكمة توجه لِلقناعة لأنّ الطمع يهلك صاحبه.

 

2- “رُبّ ملومٍ لا ذنبَ لهُ” فيها توجه إلى التثبّت من الأمر قبل إتهام ولَوم البريء.

 

3- ” أدبُ المرءِ خيرٌ مِنْ ذهبهِ” ويقصد بها أنّ بمكانة الإنسان بأدبه وليس بغناه.

 

4- ” مَنْ فَسدتْ بطانتهُ كانَ كالغاصِ بالماء” وهذه الحكمة تحث على إجادة اختيار الأعوان.

 

أشهر الأمثال في العصر الجاهلي

 

1- ” جزاؤهُ جزاءَ سنمّار” يقال هذا المثل لمن يتقن عمله فيُجزا بالإساءة إليه.

 

2- ” رَجعَ بخُفّي حُنين” ويقال هذا المثل في العودة بالخيبة والفشل.

 

3- ” وافقّ شنٌ طبقة” يقال لِلمتشابهين في أمر معين.

 

4- ” الصيفُ ضيّعت اللبنَ” يقال لمن يخسر أمرًا ثم يطلبه بعد انتهاء الأوان.

 

5- ” على أهلها جنت براقش” اسم كلبة لقبيلة عربية وقد توارت مع أصحابها أثناء غزوة، فلما رجعوا مهزومين لم يجدوهم فنبحت براقش فاكتشفوا بنباحها على مكان أهلها فقتلوهم.

 

6- ” أعط القوس باريها” يُقال هذا المثل في إسناد العمل لمن يجيده.

 

ومن الأمثال أيضًا:

 

1- “لا يطاع لقصير أمر، لأمر ما جدع قصير أنفه بيدي لا بيد عمرو.”

 

2- قصة ثأر امرئ القيس لوالده ومنها: “ضيعني صغيرًا وحملني ثأره كبيرًا لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر.”

 

3- “إنك لا تجني من الشوك العنب:” يقال لمن يتوقع المعروف في غير أهله أو لمن يفعل الشر وينتظر من ورائه الخير.

 

وممّا ورد من الأمثال كذلك:

 

1- “أول ما أطلع ضبٌّ ذَنَبه”.

 

2- “أجرِ الأمور على إذلالها.”

 

3- “احذر الصبيان لا تصيبك بأعضائها.”

 

4- “انقطع السلى في البطن.”

 

5- “أبصِرْ وَسْمَ قِدحك.”

 

وفي النهاية نستنتج أن الأمثال في الجاهلية كانت عن عبارة عن أمثال تقال بأسلوب غامض غير واضحة المعالم، لذلك نجد هناك صعوبة في تداولها في الزمن الحالي ويندر استخدامها.