نشأت الترجمة منذ العصر القديم قبل ظهور الإسلام، واستمرّت مع العصر الإسلامي لغاية وقتنا الحالي، وكانت الترجمة تتطوّر وتتغيّر في كل عصر من العصور، ولكن الترجمة حظيت باهتمام كبير جدّاً في العصر الإسلامي؛ والسبب في ذلك هو أن الترجمة كانت شكل من أشكال نشر الدين الإسلامي وأحكام القرآن الكريم لأكثر من لغة، سنتحدّث عزيزي القارئ في هذا المقال عن حركة الترجمة في العصر الإسلامي.

 

نشاط الترجمة في العصر الإسلامي

 

الترجمة عبارة عن نوع من أنواع التعارف الثقافي والنقل المعرفي؛ وكل ذلك من أجل الحفاظ على الموروث التاريخي للأمم، والترجمة تعتبر قوّة تضاف إلى الأمم بسبب حركة الترجمة، والتي تعتبر عامل من العوامل الإيجابية في تنميتها وازدهارها.

 

على الرغم من أنّ هذا الأمر سبّب بعض المخاوف لمتخصصي اللغة؛ فهم يعتبرون أن تعلّم لغة أخرى قد يسبّب في ضعف أو نسيان اللغة الأم، وهم الأكثر حرصاً على الإرث الثقافي والتاريخي، إلّا أن تعلّم اللغات الأخرى بهدف نقل المعارف وترجمتها هو دافع للقوّة وليس للضعف، ومن أكثر الحضارات التي أثبتت نفسها وازدهرت بشكل كبير جدّاً هي الحضارة الإسلامية.

 

منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكان للحضارة الإسلامية الاهتمام الكبير؛ فهي أثبتت قوّتها ثقافياً وازدهرت بشكل كبير خلال مدّة قياسية، بالإضافة إلى أنّها كانت كلمّا تقدّم بها الزمن تصبح أقوى وأقوى، وأكبر دليل ومؤشّر على القوّة التي كانت تحظى بها الحضارة الإسلامية هي حركة الترجمة بنقل الكثير من العلوم والمعارف من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى.

 

بالإضافة لحركة الدعوة الإسلامية والتي كانت تحثّ على نقل العلوم الإسلامية وأحكام الدين الإسلامي للدول المجاورة، فأصبحت الترجمة في العصر الإسلامي نوع من أنواع المحفّز الحضاري بين الدول الأقل حضارة والدول الأكثر حضارة، بالإضافة إلى أنّها وسيلة للتعريف على إنجازات المسلمين ومعارفهم.

 

لهذا السبب كان الاهتمام والتركيز على الترجمة في العصر الإسلامي كبير جدّاً، وكان هنالك تقدير كبير للمترجمين، فنشأت مراكز كثيرة للترجمة، وساهمت حركة الترجمة في أن يخوض المسلمين وقتها بكثير من القضايا الدينية بسبب معرفة قضايا وأحكام الديانات الأخرى، وكانت وقتها نوع من أنواع التفاعل الثقافي وتبادل الحضارات.

 

بالإضافة لنقل العلوم من البلدان الأخرى إلى الحضارة الإسلامية، ساهم هذا الأمر في ترجمة اللغات الأخرى إلى العربية باكتساب علوم وثقافات جديدة تم إضافتها إلى العلوم الموجودة، بالإضافة أحياناً إلى القيام بتطويرها، خاصّةً في القرون السبعة الهجرية الأولى، حيث كانت هذه القرون الأكثر ازدهاراً للحضارة الإسلامية، بالإضافة لدراسة تاريخ العرب والمسلمين قبل الإسلام كذلك، وتحرّي ما إذا كان هنالك علاقة بين المسلمين والدول الأخرى.

 

ومن أهم الثقافات التي تم نقلها إلى الثقافة العربية هي الحركة السريانية؛ حيث ساهمت في نقل عدّة ثقافات مثل: الفارسية والهندية واليونانية وغيرها، على الرغم من وجود بعض الأخطاء في الترجمة، والعمل على إعادة الترجمة، وازدهرت الحضارة الإسلامية بشكل أكبر عندما قامت بالعديد من الفتوحات مثل فتح الشام والعراق ومصر وفارس وغيرها.

 

وكان هنالك خلاف حول بدء الحضارة الإسلامية الحقيقية؛ فمنهم من يرى بأن بداية ازدهار الترجمة والحضارة الإسلامية كان في أوائل العصر الأموي، وبرع الجاحظ في وقتها بإشهار حركة الترجمة ونقل المعارف من لغة إلى أخرى، ومن الحكام كان يزيد بن معاوية، وجاء من بعده عمر بن عبد العزيز وقام باستكمال حركة الترجمة.

 

وكان هنالك عدّة مدارس في ذلك الوقت والتي اشتهرت بالترجمة ومن أشهرها: مدرسة الإسكندرية، مدرسة جينديسابور، ومدرسة حران، ولكن الرأي الأصح: كان أن الترجمة ازدهرت ولمعت في عصر الإسلام، وكان الصحابة والمسلمون وقتها يتبّعون مقولة الرسول الكريم عندما قال: “من تعلّم لغة قومٍ أمن مكرهم”، وكان خادم الرسول زيد بن ثابت من أكثر من تعلّم لغات أخرى.

 

وظلّت الترجمة تتطوّر وتزدهر خاصّةً في العصر العباسي، وكان ذك بفضل التشجيع الكبير الذي لاقته من الخلفاء العباسيين وقتها، حتّى أنّها صارت ركن من أركان السياسة الأساسية في ذلك الوقت؛ فهي لم تكن جهد فردي فقط، بل كانت جهد جماعي بتشجيع الجميع لها.

 

حتى إن الترجمة في عصر الإسلام لم تكن تقتصر على علوم محددة بل امتدت لتشمل علوم أخرى؛ فبالإضافة للطب والكيمياء والفلك اهتمّت بعلوم الفلسفة والمنطق والعلوم التجريبية والأدبية أيضاً.