جميع الأمم التي رسمت خطاها على وجه الأرض لديها الموروث الثقافيّ الذي يخصها، وكما إنه يجعلها تتفرد به عن غيرها، وهو بدوره يعبّر عن الكثير من الوقائع والمناسبات، التي حصلت خلال التاريخ، ولعل من أكثر أنواع التراث شهرة “الأمثال الشعبية” والحكم، ويقوم الناس باستخدام هذه الأمثال أو الحكم إذا مرّوا بظرف أو حدث مشابه للحدث الأصلي الذي قيلت فيه تلك الأمثال، فيعبرون عنه بمثل أو حكمة، وهكذا تبقى محفوظة، ويتداولها الناس جيلًا بعد جيل مع إضافة ما استجد من أمثال تعبر عن أحداث الحاضر، والمثل الذي سنتناوله لاحقًا، هو: “ما كل مرة تسلم الجرة”.

 

فيم يضرب مثل “ما كل مرة تسلم الجرة”؟

 

مثل “ما كلّ مرة تسلم الجرّة” يُضرب للمرء الذي يرغب في المجازفة بفعل شيء ما لمجرد أنه فعله من قبل، ولم يحدث له شيء “في اعتقاد فاعله على الأقل “، فينصحه قائل المثل أن هذا قد لا يتكرر فليس هناك داعٍ لتكرار المغامرة.

 

قصة مثل “ما كل مرة تسلم الجرة”:

 

يرجع مثل “ما كل مرة تسلم الجرة” إلى امرأة كانت يُحكى أنها كانت تحمل جرّة “إناء فخاري”، وكانت تمشي بها في طريق زلقة، ففقدت اتزانها وسقطت جرّتها، غير أن الجرة لم تُصَب بسوء، فحملت المرأة جرتها مرة أخرى لتسير في ذات الطريق من جديد، بيد أنها نُصحت بأن تغيّر هذا الطريق الزلق المحفوف بالخطر، حيث إن سقوطها مرة أخرى لا يعني أن الجرّة لن تنكسر، والفائدة المستقاة هنا أنه ليس من الحكمة المجازفة بعمل شيء ما، لمجرد أنه جربه من قبل ولم يحدث شيء.

 

العبرة من مثل: “ما كل مرة تسلم الجرة”

 

الكثير من الناس يحتاجون الاستماع إلى هذا المثل بمفهوم أو بآخر، فالبعض “الجرة” بالنسبة له هي سنة دراسية يهمل فيها دروسه؛ لأنه سبق أن أهمل ولم يرسب، ومن يضمن له أن هذا يتكرر؟ أو قد تكون “الجرة” تصرّف ما فيه مجازفة، والأسوأ من هذا أن تكون هذه “الجرة” هي طهارة الإنسان وقداسته وحياته الروحية بصفة عامة، فالكثيرون في جهل، يكررون فعل خطايا معينة، معتقدين أنهم فعلوها من قبل ومرّت الأمور بسلام؛ فلا مانع إن هم فعلوها مرة أخرى، لا مانع من هذه المشاهدة أو ذاك الفعل ما دام الأمر قد مرّ قبلًا، لا بد من القول إن الجرّة يومًا ستنكسر، والأمر قريبًا سينفضح، وزرع الشر لا بد له من حصاد مرير، فليحذر، وكذلك على المرء أن يعي أنه إذا لم تنكسر الجرة في القريب، فلماذا يلطّخها المرء بأوحال الخطية فتصبح غير نافعة بل وضارة، لمَ يضيّع أحلى أيام عمره في الشرور في حين أنه يمكنه أن تستثمرها في طاعة الله، أما أسوأ الحالات فهو أن تكون هذه “الجرة” هي حياة الإنسان الأبدية، فيغامر بها في طريق التأجيل أو الاستهزاء بالخلاص المقدّم له، إذا سقطت هذه الجرّة ستنكسر ويكون كسرها هو فقدان الأبدية السعيدة المقدَّمة لك بمعرفة أسباب النجاة، فالعبرة “هي لا تغامر، فالخسران لا يعوّض”.