رافق شعر الحنين العرب منذ أن توجهوا إلى نظم الشعر، ومشوا في طريقه محملين أبياته ما يجول في خاطرهم من مشاعر جياشة وعبرات حارقة، وكذلك أفراح غامرة، وبهذا رافق الشعر أهله في جميع حالاتهم وَنفسياتهم مواكبًا جميع الأحداث، ومع تطور الأحداث زاد التعلق بالشعر والكتابة بشكل عام.

 

تعريف شعر الحنين إلى الوطن

 

يُعَد شعر الشوق إلى البلاد فرع من فروع الشعر المشرقي قديم الفكر، جديد النوع يتحدث عن أحاسيس الشوق إلى الموطن، فالحنين هو حالة شعورية تسيطر على الشخص عندما يفارق بلاده وينتقل إلى مكان آخر.

 

ويكون الحَنين مسيطرًا على الشخص من خلال المُدة التي يَغيبها عن موطنه، أو الهيئة التي يترك خلانه وأهله عليها ومدى ارتباطه بهم، وكذلك يتوقف على الطريقة التي من أجلها ترك بلاده وغير ذلك من الأمور.

 

دوافع الاغتراب في العصر العباسي

 

1- دافع سياسي: عرف العهد العباسي بأنه بدأ بعد زوال عهد بني أمية وقامت الدولة العباسية على أنقاضها، وَكانت في بداية عهدها قوية متحكمة ومسيطرة على كل أمور الحكم، غير أن الضعف بدأ يتمكن منها شيئًا فشيئًا بعد سيطرة الأتراك ومن بعدهم البويهيين والسلاجقة من بعدهم ومن هنا وبسبب توالي السلطات وتعددها بدأت الدولة العباسية تعاني وتضعف، حيث يعتبر الدافع السياسي من أهم دوافع الاغتراب آنذاك.

 

2- الدويلات التي قامت في ظل الخلافة العباسية: إن نشوء الدويلات المنقسمة داخل الخلافة العباسية سبب وَدافع للاغتراب، حيث أن أغلب الدويلات انفصلت عن الخلافة العباسية مثل الفاطمية وَالإخشيدية، وكذلك الحمدانية، وَالبويهية وغيرها من الدول التي كان لها تأثير على مجريات الحياة السياسية في ذلك الوقت.

 

3- الثورات والحروب: كان الانقسام وَكثرة النزاعات من أبرز سمات العهد العباسي بسبب النزاع على الحكم سواء أكانت بين أمراء الدويلات أو صراعات من قوى خارج الدولة، ومن أبرز النزاعات الداخلية النزاع الذي دار بين البويهيين وَالحمدانيين في الموصل، وكذلك النزاعات التي دارت بين الفاطميين والأمويين وَكذلك مع الإخشيد.

 

4- تدهور الاقتصاد: تدهورت الأوضاع الاقتصادية والمالية في العصر العباسي بشكل كبير بسبب الأوضاع السياسية الصعبة وكذلك بسبب الأحوال الإدارية المتردية، حيث كثرة الضرائب على مواطنيها، وكذلك التلاعب بالعملة المتداولة كَطريقة للتوفير، واتسعت الفجوة بين طبقات المجتمع فظهر في ذلك العصر طبقة الرأسمالية المتسلطة والمستغلة، وطبقة العمال الكادحين.

 

5- الدافع الاجتماعي: كانت الحياة الاجتماعية صعبة في العصر العباسي بسبب كثرة الأجناس التي كانت يحتويها هذا العصر، فكان منهم العرب والروم، والبربر والهنود والفرس والزنوج وغيرهم الكثير، وكل جنس من هؤلاء كان له هويته وثقافته وعاداته المستقلة التي تميزه عن غيره.

 

وَهذه الدوافع والصراعات والحروب أدت إلى إرهاق كاهل الدولة العباسية، ودفعت بالعديد من شعبها للارتحال وترك بلادهم بحثاً عن الأمن والاستقرار في ذلك العهد، وَنتيجة الخلل السياسي والاقتصادي الذي كان سائداً آنذاك دفع إلى الرشوة والنفاق والغدر والسرقة والسُكر وغيره من العادات السيئة، وَكذلك بسبب حياة الترف والبذخ الذي عاشته الطبقة الغنية ساعدت على تفشي الفاحشة في كل مكان حتى طالت جميع الطبقات المجتمع وفي ذلك يقول السري الرفاء:

 

منزلٌ في فناء دجلة يرتا

حُ إليه الخَليع والمستُور 

ليس فيه إلا خُمارٌ وخمرٌ

ومماتٌ من سُكره ونَشور 

ولك الظبية الغريرةُ إن شِد

ت فإن عفتها فَظبي غرير

كل هذا بدرهمين فإن زد

ت فأنت المجبلُ المفوز

 

شعر الشوق للأوطان في العصر العباسي: انتشر شعر الشوق في العهد العباسي لأن مدينة بغداد كانت تحتوي العديد من الشعراء الذين تغربوا عن أوطانهم، مما أدى إلى بروز نخبة مميزة من شعراء الحنين للبلاد في هذا العصر، مثل الشاعر أبو تمام حيث يقول:

 

ما اليوم أول توديع ولا 

الثاني البينُ أكثر من شوقي وأحزاني 

دعِ الفراق فإنّ الدهر ساعده 

فصار أملك من رُوحي بجثماني

 

مواضيع شعر الحنين للأوطان في العصر العباسي

 

1- حنين بكاء الديار والوقوف على الدمن: تطورت الحياة في هذا العصر وسكن الناس المدن وتركوا ديارهم ولم يعد هناك حديث عن الوحوش التي تسكن الديار، أو حديث عن مساكنهم، فَتناول هذا الشعر عندهم الوقوف على الدمن وإلقاء التحية وَوصف الآثار والدّمن والوحشة فيها، وَمن الذين تحدثوا عن ذلك الشاعر البحتري حيث يقول: 

 

لا أرى بالعقيق رسماً يجيب

أسكنت آيهُ الصَّبا والجنوب

واقفٌ يسألُ الديار وعذلٌ

في سؤالِ الديار أو تأنيب 

 

وكذلك في قوله أيضاً: 

 

وما انفك رسمُ الدار حتى تهللت

دموعي، وحتى أكثر اللوم صاحبي

وقفنا فلا الأطلال ردت إجابة 

ولا العذل أجدى في المشوق المخاطب

 

2- السلام والتحية: أكثر الشعراء العباسيين من السلام وإلقاء التحية على الطلل معتقدين أن سلامهم وتحياتهم يسلمون على أهل هذه الطلل، وهم بسلامهم للبلاد إنما هو الحنين إلى العهود السابقة في هذه الديار، ومن هؤلاء الشعراء الشاعر ابن الرومي حيث يقول:

 

حيّ المعاهد والمنازل 

المقفرات بل الأوائل

بدّلن آراماً خوا

ذل بعد آرام الخواذل 

حركن شجوكً للسؤا

ل ِ وما أحَرْن جواب سائِلْ 

 

3- سؤال الدّمن وجوابها: قد عُرف أن الوقوف على الدّمن رافقه السؤال عن ساكني هذه الديار وخصوصاً عندما يتذكر حال هذه الديار عندما كانت تعج بالناس والحياة، وَقد كثرت استفسارات الشعراء وسؤالهم للأطلال في العهد العباسي، ومنهم البحتري الذي يصور أطلال الديار بأنها خالية لا ترد على السؤال ولا تجيب بشيء حيث يقول:

 

أرسومُ دارٍ أم كتاب 

درس بشاشته مع الأحقاب 

يجتاز زائرها بغير لُبانةٍ 

ويود سائلها بغير جواب

 

وفي موضع آخر يتحدث عن ذلك ويقول:

 

دمن لزينب قبل تشديد النوى 

من ذي الأراك لزينب ولعوب

تأبى المنازل أن تجيب ومن نجوى

يوم الديار دعوت غير مُجيب

 

4- الآثار والدمن: والمقصود هنا الحنين إلى بقايا الديار وآثار الراحلين والدمن البالية التي خلت من أهلها وفي ذلك يقول البحتري:

 

عند العقيق فما ثلاث دياره 

شجن يزيد الصب في استعباره    

دمن تناهب رسمها حتى عفا

منها تعاقب رائح بقطاره

 

وكما قال ماني الموسوس أيضاً عن ذلك:

 

أفقر مغني الديار بالنجف 

وحلت عما عهدت من لطف 

طويت عنها الرضا مذهمةً

لما انطوى غصنُّ عيشها الأُنف 

 

وفي النهاية نستنتج أن شعر الحنين للأوطان في العصر العباسي كان بسبب دوافع سياسية وَاقتصادية أيضًا، وتَطرق إلى العديد من المواضيع التي تحدث عنها شعر الشوق للديار آنذاك، وبرز العديد من الشعراء في هذا المجال مصوّرين مدى شوقهم لأوطانهم التي رحلوا عنها.