كانت المثالية عند فرانسيس هربرت برادلي الذي اعتبر أنّ الحقيقة هي مسألة تطابق بين حكم والذي يتكون من أفكار وموضوعه، حيث للوهلة الأولى يبدو أنّ وجهة نظر برادلي هي نظرية المطابقة الكلاسيكية للحقيقة، ولكنّها في الواقع انعكاس غريب لتلك النظرية.

 

ففي نظرية المطابقة الكلاسيكية صانع الحقيقة هو الموضوع وليس أي شخص يؤمن بهذه الحقيقة، بمعنى أنّ الحقائق تجعل الحقائق صحيحة حيث المؤمنون لا يفعلون هذا، ولكن بالنظر إلى آراء المثاليين حول الأولوية الأنطولوجية للعقلية أو المثالية والداخلية لجميع العلاقات يترتب على ذلك أنّ أي حكم يكون صحيحًا يرجع في النهاية إلى العقل العظيم المطلق.

 

فلسفة مور في نظرية الهوية للحقيقة:

 

يلاحظ مور في بداية ورقته البحثية وبينما يؤكد برادلي أنّ الحقيقة ليست علاقة بين الواقع وأحكامنا بل الأحكام في حد ذاتها، فإنّه لا يظل صادقًا مع هذا الرأي وينتهي به الأمر بمغازلة النفس، حيث استبدال المصطلحات النفسية العلنية لبرادلي (الفكرة) و(الحكم) بالمصطلحات الأكثر حيادية (المفهوم) و(الافتراض)، والحفاظ على تمييزه المناهض للنفسية بين الذات والموضوع، حيث يرفض مور الانقلاب المثالي لنظرية المطابقة للحقيقة.

 

ومع ذلك فهو لا يعود ببساطة إلى النسخة الكلاسيكية، وبدلاً من ذلك يسعى إلى تأمين موضوعية الحقيقة من خلال القضاء على فكرة التطابق تمامًا، ويجادل مور بأنّ الحقيقة لا يمكن أن تكون مسألة تطابق بين القضية والموضوع لأنّه في حالة مثل (2 + 2 = 4) فنحن نعتبر الافتراض صحيحًا على الرغم من عدم وجود موضوع في العالم التجريبي يتوافق معه الاقتراح أو الافتراض.

 

وبالتالي يجب اعتبار الافتراضات صحيحة (أو خاطئة) في حد ذاتها دون الإشارة إمّا إلى الذات التي تسليها كعناصر في أفعال الوعي الحالية أو إلى أي شيء يتجاوزها قد يكون حوله، وبدلاً من ذلك عندما يكون الاقتراح صحيحًا يكون ذلك بسبب وجود علاقة غريبة بين المفاهيم التي تتكون منها، وبما أنّ وجهة النظر هذه تضع القضية على أنّها صانعة الحقيقة الخاصة بها فقد أُطلق عليها نظرية الهوية للحقيقة، حيث يلخص مور وجهة نظره بهذه الطريقة:

 

“لا يتألف الاقتراح من كلمات ولا من أفكار بل من مفاهيم، والمفاهيم هي أشياء محتملة للفكر ولكن هذا ليس تعريف لهم، ومن غير المبالاة بطبيعتهم سواء كان أي شخص يفكر بها أم لا، وإنّهم غير قادرين على التغيير والعلاقة التي يدخلون فيها مع الذات المعرفية لا تعني أي فعل أو رد فعل من جانب القضية والاقتراح هو توليفة من المفاهيم.

 

وكما أنّ المفاهيم هي نفسها ما هي عليه بشكل ثابت فإنّها تقف في علاقات لا نهائية مع بعضها البعض بشكل متساوٍ، ويتكون الاقتراح من أي عدد من المفاهيم إلى جانب علاقة محددة بينها، ووفقًا لطبيعة هذه العلاقة يمكن أن تكون القضية إمّا صحيحة أو خاطئة، وما نوع العلاقة التي تجعل القضية صحيحة وما الخطأ، ولا يمكن تعريفها بشكل أكبر ولكن يجب التعرف عليها على الفور”.

 

وبهذا المفهوم تبدو الافتراضات وكأنّها تشبه إلى حد كبير الأشكال الأفلاطونية حيث هي حاملات ثابتة للحقيقة موجودة بشكل مستقل عن أي أمثلة للوعي، وتاريخيًا لا يوجد شيء غريب في هذا باستثناء ظهوره في السياق البريطاني ربما، وفي الواقع تتوافق آراء مور هذه مع ما يمكن تسميته وجهة النظر المعيارية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين للمقترحات التي يتبناها بولزانو (ليزي سوزان ستيبينج) وفريج (Frege) وراسل (Russell) ووليام إرنست جونسون (W.E. Johnson)، وليزي سوزان ستيبينج.

 

فلسفة مور في الواقعية المفترضة والواقعية المباشرة:

 

لا بد أنّ ما هو جديد في مور هو نظرية هويته عن الحقيقة وما يرتبط بها من تعريف للأشياء العادية مع الافتراضات، والذي كان أحد جوانب وجهة النظر القياسية، أنّه كلما حدث أن تشارك قضية ما في فعل واقعي للوعي فإنّها تلعب دور الشيء، وذلك كان الفعل على الفور متعلقًا بالقضية أو يتعلق بها.

 

وهكذا للوهلة الأولى فإنّ الشكل الوحيد للواقعية المعرفية المتوافقة مع وجهة النظر القياسية هو الواقعية غير المباشرة أو التمثيلية، وهذا هو الرأي القائل بأنّ العالم الخارجي لا يُمنح لنا بشكل مباشر ولكن فقط بوساطة كائن بديل مثل الاقتراح أو في فلسفة مور اللاحقة في نظرية المعنى.

 

لكنّ هذا الجانب من وجهة النظر القياسية أثار غضبًا ضد انحياز مور المتزايد لواقعية الفطرة السليمة (أو الساذجة)، التي تفترض الواقعية المباشرة في نظرية المعرفة، وهكذا من أجل تأمين الوصول المعرفي المباشر إلى العالم الخارجي استبعد مور بذكاء الوسطاء المحتملين من خلال تحديد المقترحات مع أهداف التجربة العادية نفسها.

 

كانت حركته الأولى في هذا الاتجاه هي إظهار أنّ نظرية هوية الحقيقة تنطبق على الافتراضات التي على عكس (2 + 2 = 4)، فيبدو أنّها تتطلب علاقة بشيء خارجها لكي تكون صحيحة، وعلى سبيل المثال من الصعب أن نرى كيف يمكن أن تكون الجملة: “القطة على البساط” صحيحة في حد ذاتها بصرف النظر عن علاقتها ببعض الأمور في العالم التجريبي، ومع ذلك يقول مور:

 

“هذا الوصف للحقيقة سينطبق أيضًا على تلك الحالات التي يبدو أنّ هناك إشارة إلى الوجود، والوجود بحد ذاته مفهوم، وإنّه شيء نعنيه، حيث المجموعة الكبيرة من الافتراضات التي يرتبط فيها الوجود بمفاهيم أو توليفات أخرى من المفاهيم، هي ببساطة صحيحة أو خاطئة وفقًا للعلاقة التي تمثلها”.

 

لذا فإنّ عبارة: “القط على السجادة” تكون صحيحة عندما تتحد المفاهيم المكونة لها وهي القط والحصيرة أو البساط وعلى وما إلى ذلك، ومع مفهوم الوجود من خلال تلك العلاقة الداخلية التي لا يمكن تحديدها والتي هذا صحيح، وهكذا أيضًا لـ: “القط موجود”، وليس الأمر أنّ الاقتراح أو الافتراض يكون صحيحًا فقط في حالة وجود القطة، حيث بالأحرى فإنّ القطة موجودة فقط إذا كانت القضية صحيحة بحكم بنيتها الداخلية.

 

من خلال جعل الوجود يعتمد على الحقيقة ومثل الحقيقة داخليًا في الافتراض فإنّ مور في الواقع يحدد فئة الوجود مع فئة الافتراضات الحقيقية التي تتضمن مفهوم الوجود كمكوِّن، كما يستمر مور في القول: “لا يُنظر إلى الوجود إلّا على أنّه مفهوم أو مجمع من المفاهيم التي تقف في علاقة فريدة بمفهوم الوجود”، وبالتالي يبدو الآن أنّ الإدراك يجب أن يُنظر إليه فلسفيًا على أنّه إدراك اقتراح وجودي، وبهذه الطريقة تختفي معارضة المفاهيم للوجود، ويؤمن مور تفسيرًا واقعيًا مباشرًا للإدراك.

 

على نفس المنوال فإنّه يلزم نفسه بما هو في ظاهره نظرة غير محتملة للعالم، أي بالنظر إلى نظرية هوية الحقيقة يبدو من الضروري اعتبار العالم مكونًا من مفاهيم، ولكن كما يذكرنا مور لا ينبغي أن يؤخذ هذا على أنّه ادعاء بأنّ الواقع هو في الأساس عقلي أو مثالي، وذلك لأنّ تفسيره للمفاهيم والافتراضات قد أوضح بالفعل أنّ هذه موجودة بشكل مستقل عن أي أعمال تفكير وهكذا يقول:

 

“يبدو أنّ وصف الوجود كقضية يفقد غرابته، وعندما نتذكر أنّ القضية هنا ليتم فهمها ليس كشيء ذاتي وذلك كدافع أو تأكيد لشيء ما، ولكن كمجموعة من المفاهيم التي هي مؤكدة”.

 

ما إذا كان هذا بالفعل يخفف من غرابة الوصف فهو أمر قابل للجدل، ولكن من الواضح أنّ مور يعني أن تكون متوافقة مع وجهة نظرنا المنطقية للعالم، ولسوء الحظ فإنّ وجهة النظر لها نتيجة غريبة ليست شيئًا منطقيًا، وأطلق عليها بيرتراند راسل مشكلة الأكاذيب الموضوعية.

 

وبالنظر إلى نظرية مور عن الحقيقة والواقعية المصاحبة لها حول الافتراضات فإنّ الافتراضات الخاطئة لها أو قد يكون لها نفس الوضع الأنطولوجي مثل الافتراضات الحقيقية، وعلى الأقل هم هناك بطريقة ما ليتم تأكيدها أو إقرارها تمامًا كما هي الافتراضات الحقيقية.

 

علاوة على ذلك نظرًا لأنّ الحقيقة والخطأ سابقان ومستقلان عن الوجود، فلا يوجد سبب واضح لعدم إمكانية تضمين الافتراض الخاطئ الوجود كمفهوم تمامًا كما يمكن للفرد الحقيقي، وبحلول عام 1910 أقنع بيرتراند راسل (الذي قبل في البداية آراء مور نفسه) مور بأنّه يجب رفضهما لهذه الأسباب على وجه التحديد.