في بدايات البشرية ومع ابتكار الكلام بدأ الناس بتناقل الأحاديث والأخبار شفويّاً عبر الروايات والقصص، ولكن مع امتداد البشرية واستقلال الدول عن بعضها البعض؛ استدعت الحاجة لنشوء وسيلة مبتكرة أكثر من الكلام تساعد هذه الشعوب والحضارات أن تتواصل مع بعضها البعض مع اختلاف ألسنتها؛ لذلك نشأت الترجمة لتكون جسر العبور بين هذه الحضارات، سنحكي عزيزي القارئ في هذا المقال عن أهم مظاهر الترجمة وتفاعل الثقافات بين بعضها البعض.

 

أهم مظاهر التفاعل الثقافي بين الشعوب عبر الترجمة

 

بدأت الترجمة منذ عصور ما قبل الإسلام، وامتدّت في عصر الإسلام والحضارة الإسلامية، ومع تطوّر الحضارة الإسلامية لم تكن قد اكتفت بذلك بل لجأت للترجمة؛ وذلك من أجل أن تأخذ من ثقافات الغير وتقوم بتطويرها ومواكبة عصور الازدهار.

 

فكانت الترجمة كجسر حضاري يعبر بالناس للنور، وبالأساس للثقافة العربية جذور إغريقية؛ خاصّةً في فترة نهوضها؛ لذلك لا يمكن أن تكون الثقافة العربية غير مفهومة أو جليّة للغرب، ومن بعض الأمثلة على وجوب التفاعل الثقافي بين الدول هو جسر النيل؛ حيث يجمع هذا الجسر بين ضفتين ويحتوي على دار الأوبرا التي تعتبر نوع من أنواع التفاعل الثقافي، كما أنّ هذا الجسر كان معبر قوات الاحتلال البريطاني لسنوات.

 

يوحي وجود هذا الجسر لشيئين وهما: وجود تفاعل ثقافي بين الدول من خلال المنشآت الثقافية، بالإضافة إلى القهر اللاثقافي الذي كان يفرضه الاستعمار البريطاني، وفي هذا الصدد استدعت الحاجة لنشوء الترجمة بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية.

 

مثّلت الترجمة الخطوة الأولى في نشوء كل حضارة وازدهارها، ومن الأمثلة على ذلك ازدهار الحضارة العربية الإسلامية؛ حيث كانت الترجمة الأداة الأساسية لتطوّرها من خلال ترجمة الكثير من الأبحاث العلمية والإنجازات العلمية التي قام بها الشعوب القديمة مثل: الفرس، الهنود، الإغريق، فهي اتخذت من تلك الأبحاث العلمية والإنجازات حجر أساس لتقوم هي بالبناء عليه وتطويره، ولم تكتفِ بترجمته فقط.

 

ظلّت الحضارة الإسلامية في تطوّر وازدهار حتى إنّها برزت في فترة من فترات التاريخ القديم، وكانت هي الحضارة الأكبر ذات التاريخ الإنساني العظيم، وكانت الحضارة الإسلامية آنذاك كضوء نجم سطع ووصل إلى الغرب في فترة القرون الوسطى؛ حيث كان الغرب يعيش في ضلالة الثقافة في هذه العصور، إلّا أنّه استمد النور من الحضارة الإسلامية عبر أخذها كل ما قام العرب بتطويره وحفظه.

 

وسرعان ما تطوّرت الحضارة الغربية وصارت الحديث المتناقل لازدهار حضارتها ذلك الوقت، وظلّ هذا الازدهار والتطوّر يمتد ويزيد حتى وقتنا الحالي، وكان المترجم (سليمان البستاني) هو أوّل من قام بترجمة الأدب الأوروبي كأديب عربي، وصوّر الملاحم الثقافية التي حدثت بين العرب والغرب في وقتها، وقدّم هذه الترجمة على شكل كتب وشعر ودراسات موسوعية، بالإضافة إلى عدّة دراسات قام بها في مجال الأدب المقارن.

 

كتب كذلك عن أهم مظاهر التوافق والاختلاف بين العرب واليونان من خلال ترجمته لكتب الكاتب اليوناني المعروف (إلياذة هوميروس)، وأظهر البستاني أعمال هوميروس على أنّها نتاج عمل إبداعي لعدّة أعمال مصدرها التراث الإغريقي، وبشكل عام ترجمة البستاني كانت عبارة عن توضيح لأهميّة التفاعل الثقافي بين العرب وتراثهم وتراث الأمم الأخرى كذلك.

 

كما أنّها وضّحت دور المترجم الرئيسي في عمله كوسيط بين كل من تراث العرب والغرب، وفتح آفاق المعارف والإبداع الإنساني، كانت أعمال البستاني بداية المثاقفة والتفاعل الحضاري بين الشعوب، وصارت الجرائد والمجلات وقتها تؤكّد أهميّة الترجمة والمترجم في التفاعل الثقافي بين الأمم والحضارات.

 

ومن مظاهر التفاعل الثقافي والتأكيد على أهميّته هو التركيز في ذلك الوقت على أهم رجال السياسة والتاريخ والدين كذلك، ومن أمثالهم: سعد زغلول، محمد عبده، طلعت حرب وغيرهم، كما أن التسامح الديني بين الأديان كان واضحاً وقتها، والانتماء بين مختلف الأطياف الثقافية والدينية والسياسية أيضاً.

 

وصارت اللغة العربية وثقافتها وحضارتها تقدّم يد الخير لكل من يريد الاغتراف من نهرها، وكان ذلك من خلال الترجمة، وعلى الرغم من بعض الضوضاء التي كانت تحدث بسبب التعصّب الديني أو الهرج السياسي، إلا أن هنالك إصارا شديد على إبراز أهميّة القيم الثقافية والإنسانية، بعيداً عن كل المعاني الملوّثة. كانت الترجمة ولا تزال عبارة عن أداة تنويرية بين الماضي والحاضر وأداة مهمّة للتثاقف بين الشعوب.