الرجل الذي لم يرغب في الموت والصياد السعيد هما قصتان قصيرتان من تأليف (Yei Theodora Ozaki). يي ثيودورا أوزاكي (1871-28 ديسمبر 1932) مترجماً من أوائل القرن العشرين للقصص اليابانية القصيرة والحكايات الخرافية. كانت ترجماتها ليبرالية إلى حد ما ولكنها كانت شائعة ، وأعيد طبعها عدة مرات بعد وفاتها.

الشخصيات:

  • سينتارو.

  • جوفوكو.


قصة الرجل الذي لم يرغب في الموت:


منذ زمن بعيد عاش هناك رجل يدعى سينتارو حيث كان لقبه يعني “المليونير”، ولكن على الرغم من أنه لم يكن ثريًا إلا أنه كان لا يزال بعيدًا جدًا عن كونه فقيرًا، لقد ورث عن والده ثروة صغيرة وعاش على ذلك، وكان يقضي وقته بلا مبالاة ودون أي تفكير جاد في العمل، حتى بلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا، وفي يوم من الأيام وبدون أي سبب على الإطلاق، خطرت له فكرة الموت والمرض حيث جعلته فكرة المرض أو الموت بائساً للغاية.


لذلك قال في نفسه: أحب أن أعيش حتى أبلغ خمس أو ستمائة عام على الأقل، خالٍ من كل الأمراض لأنّ العمر المعتاد لحياة الرجل قصير جدا ثمّ تساءل عما إذا كان من الممكن، من خلال العيش ببساطة من الآن فصاعدًا أن يطيل حياته كما يشاء حيث كان يعلم أن هناك العديد من القصص في التاريخ القديم للأباطرة الذين عاشوا ألف عام، وكانت هناك أميرة ياماتو، التي قيل إنها عاشت حتى سن الخمسمائة حيث كانت هذه أحدث قصة لسجل حياة طويل للغاية.


غالباً ما سمع سينتارو حكاية الملك الصيني المسمى شين نو شيكو الذي كان أحد أقوى الحكام وأكثرهم قوة في تاريخ الصين والذي قام ببناء جميع القصور الكبيرة، وكذلك سور الصين العظيم الشهير حيث كان لديه كل شيء في العالم يمكن أن يتمناه، ولكن على الرغم من كل سعادته ورفاهية وروعة بلاطه وحكمة مستشاريه ومجد عهده، فقد كان بائسًا لأنه عرف أنه في يوم من الأيام يجب أن يموت ويترك كل شيء.


وعندما ذهب شين نو شيكو إلى الفراش ليلًا، وعندما قام في الصباح وبينما كان يقضي يومه كانت فكرة الموت دائمًا معه ولم يستطع الابتعاد عنها، وكان يفكر: آه، فقط لو استطاع أن يجد إكسير الحياة، سيكون سعيداً للغاية، وأخيرًا دعا الإمبراطور إلى اجتماع لرجال حاشيته وسألهم جميعًا عما إذا كان بإستطاعتهم أن يجدوا له “إكسير الحياة” الذي قرأ وسمع عنه كثيرًا.


قال أحد رجال البلاط القدامى واسمه جوفوكو إنه بعيدًا عبر البحار كان هناك بلد يُدعى هوريزان، وأن بعض النساك يعيشون هناك ولديهم سر”إكسير الحياة” حيث من شرب من هذا المشروب الرائع عاش إلى الأبد، لذلك أمر الإمبراطور جوفوكو بالذهاب إلى أرض حريزان، والعثور على النساك وإحضار علبة من الإكسير السحري ثمّ أعطى جوفوكو واحدة من أفضل السفن لديه، وقام بتجهيزها له وحملها بكميات كبيرة من الكنوز والأحجار الكريمة ليأخذها معه كهدية للنساك.


أبحر جوفوكو إلى أرض حريزان، لكنه لم يعد إلى الإمبراطور المنتظر ولكن منذ ذلك الوقت قيل إن جبل فوجي هو الأسطوري هوريزان ومنزل النساك الذين لديهم سر الإكسير، وكان يوفوكو يُعبد باعتباره إلهم الراعي، والآن صمم سينتارو الذي تأثر بهذه القصة على الشروع في العثور على النساك، وإذا استطاع أن يصبح واحدًا منهم حتى يتمكن من الحصول على ماء الحياة الأبدية، ثمّ تذكر أنه عندما كان طفلاً قيل له إن هؤلاء النساك لا يعيشون فقط على جبل فوجي ولكن قيل إنهم يسكنون جميع القمم العالية جدًا.


لذلك ترك منزله القديم في عهدة أقاربه، وبدأ في سعيه حيث سافر عبر جميع المناطق الجبلية من الأرض، وتسلق إلى أعلى القمم لكنه لم يجد ناسكًا أبدًا، ثمّ أخيرًا، بعد أن تجول في منطقة مجهولة لعدة أيام قابل صيادًا فسأله سينتارو: هل يمكنك أن تخبرني، أين يعيش النساك الذين لديهم إكسير الحياة؟ قال الصياد: لا، لا أستطيع أن أخبرك أين يعيش هؤلاء النساك، لكن هناك لص سيء السمعة يعيش في هذه الأنحاء ويقال إنه رئيس عصابة تابع بإمكانك أن تسأله.


هذه الإجابة الغريبة أزعجت سينتارو كثيرًا، واعتقد كم كان من الحماقة إضاعة المزيد من الوقت في البحث عن النساك بهذه الطريقة لذلك قرر الذهاب على الفور إلى ضريح جوفوكو، الذي يُعبد باعتباره الإله الراعي للنساك في جنوب اليابان، وعندما وصل سينتارو إلى الضريح وصلى لمدة سبعة أيام، ناشد جوفوكو أن يريه الطريق إلى ناسك يمكنه أن يمنحه ما يريده كثيرًا.


وفي منتصف ليل اليوم السابع، عندما كان سينتارو يصلي في المعبد، فتح باب الضريح الداخلي وظهر جوفوكو في سحابة مضيئة، ودعا سينتارو ليقترب وتحدث اليه قائلاً: رغبتك هي رغبة أنانية للغاية ولا يمكن تحقيقها بسهولة، تعتقد أنك ترغب في أن تصبح ناسكًا لتجد إكسير الحياة، هل تعرف مدى صعوبة حياة الناسك؟ يُسمح للناسك فقط بأكل الفاكهة والتوت ولحاء أشجار الصنوبر، كما يجب أن يقطع الناسك نفسه عن العالم حتى يصبح قلبه نقيًا كالذهب وخالٍ من كل رغبة أرضية.


بالتدريج بعد اتباع هذه القواعد الصارمة، يتوقف الناسك عن الشعور بالجوع أو البرودة أو الحرارة، ويصبح جسمه خفيفًا لدرجة أنه يستطيع ركوب رافعة أو سمكة ويمكنه المشي على الماء دون أن تبلل قدميه، أنت، سينتارو مغرم بالعيش الكريم وبكل وسائل الراحة، أنت لست حتى كرجل عادي لأنك خامد بشكل استثنائي، وأكثر حساسية للحرارة والبرودة من معظم الناس، لن تتمكن أبدًا من المشي حافي القدمين أو ارتداء فستان رقيق واحد فقط في فصل الشتاء! هل تعتقد أنه سيكون لديك الصبر أم لا.


ولكن استجابةً لصلواتك، سأساعدك بطريقة أخرى حيث سأرسلك إلى بلد الحياة الأبدية، حيث لا يأتي الموت أبدًا حيث يعيش الناس إلى الأبد! وبقول هذا، وضع جوفوكو في يد سنتارو طائراً صغيراً مصنوع من الورق وطلب منه الجلوس على ظهره وسيحمله إلى هناك، ركب سينتارو الطائر الذي ارتفع بجناحيه، وارتفع عالياً في الهواء وحلّق بعيدًا فوق الجبال متجهًا إلى البحر.


كان سينتارو خائفاً جداً في البداية، لكنه اعتاد تدريجيًا على الطيران السريع في الهواء ثمّ ذهبوا مرارًا وتكرارًا لآلاف الأميال ولم يتوقف الطائر أبدًا للراحة أو الطعام، ولكن نظرًا لأنه كان طائرًا ورقيًا فإنه بلا شك لم يتطلب أي غذاء، وكذلك سينتارو، وبعد عدة أيام وصلوا إلى جزيرة حيث حلقّ مسافة ما إلى الداخل ثم نزل وحالما نزل سينتارو من ظهر الطائر، طوى الطائر من تلقاء نفسه و وضعه في جيبه.


بدأ سينتارو يبحث بتساؤل، وبفضول لمعرفة كيف كانت دولة الحياة الأبدية ثمّ سافر أولاً في جميع أنحاء البلاد ثم عبر المدينة حيث كان كل شيء بالطبع غريبًا تمامًا ومختلفًا عن أرضه، لكن الأرض والناس بدوا أسعد، لذلك قرر أنه سيكون من الجيد أن يبقى هناك ويقيم في أحد الفنادق، كان المالك رجلاً طيبًا وعندما أخبره سينتارو أنه غريب وأنه جاء ليعيش هناك، وعده بترتيب كل ما هو ضروري مع حاكم المدينة فيما يتعلق بإقامتة هناك، حتى أنه وجد منزلاً لضيفه وبهذه الطريقة نال سينتارو أمنيته العظيمة وأصبح مقيماً في بلد الحياة الأبدية.

في ذاكرة جميع سكان الجزيرة، لم يمت أي شخص هناك على الإطلاق وكان المرض شيئًا غير معروف حيث جاء الكهنة من الهند والصين وأخبروهم عن مكان جميل يسمى الفردوس، حيث تملأ السعادة والنعيم والرضا قلوب جميع الناس ولكن لا يمكن الوصول إلى بواباتها إلا بالموت، ثمّ تم تناقل هذا التقليد على مر العصور من جيل إلى جيل – لكن لا أحد يعرف بالضبط ما هو الموت إلا أنه يؤدى إلى الفردوس.


على عكس سيناترو وغيره من الأشخاص العاديين بدلاً من الخوف الشديد من الموت، فإنهم جميعًا سواء أكانوا أغنياء أو فقراء، يتوقون إليها كشيء جيد ومرغوب، ولقد سئموا جميعًا من حياتهم الطويلة، وكانوا يتوقون للذهاب إلى أرض القناعة السعيدة المسماة الفردوس والتي أخبرهم الكهنة عنها منذ قرون.


وسرعان ما اكتشف سينتارو كل هذا من خلال التحدث إلى سكان الجزر ثمّ وجد نفسه، وفقًا لأفكاره في أرض الاضطراب حيث كان كل شيء مقلوبًا فقد كان يرغب في الهروب من الموت ولقد جاء إلى أرض الحياة الأبدية بارتياح كبير وفرح، فقط ليجد أن السكان أنفسهم الذين حُكم عليهم بعدم الموت أبدًا، سيعتبرون أنه من النعيم أن يجدوا الموت.


ما كان يعتبره سيناترو حتى الآن سمًا كان هؤلاء الناس يأكلونه كطعام جيد، وكل الأشياء التي اعتاد عليها كطعام رفضوها، وكلما وصل أي تجار من دول أخرى كان الأثرياء يندفعون إليهم متلهفين لشراء السموم، فهؤلاء ابتلعوا السم بشغف راجين الموت ليذهبوا إلى الجنة، لكن ما كان سمومًا قاتلة في بلاد أخرى لم يكن له تأثير في هذا المكان الغريب، والناس الذين ابتلعوها على أمل الموت، وجدوا أنهم في وقت قصير شعروا بصحة أفضل بدلًا من الأسوأ.


لقد حاولوا عبثا أن يتخيلوا كيف يمكن أن يكون الموت وكان الأثرياء سيعطون كل أموالهم وكل سلعهم إذا استطاعوا تقصير حياتهم إلى مئتين أو ثلاثمائة عام بدون أي تغيير للعيش إلى الأبد، بدا هذا الشعب مرهقًا وحزينًا، ثمّ اندهش سينتارو عندما اكتشف أن سمكة الكرة الأرضية السامة تقدم في المطاعم كطبق لذيذ، وكان الباعة المتجولون في الشوارع يبيعون الصلصات المصنوعة من الذباب الإسباني، ولم يرَ أحدًا مريضًا أبدًا بعد تناول هذه الأشياء الفظيعة ولم يرَ أي شخص يعاني من نزلة برد.


كان سينتارو مسرورًا حيث قال لنفسه إنه لن يتعب من العيش، وإنه يعتبر أن الرغبة في الموت تدنيس ثمّ كان الرجل الوحيد السعيد على الجزيرة حيث من جانبه تمنى أن يعيش آلاف السنين وأن يستمتع بالحياة ثمّ بدأ بالاستقرار ولم يحلم أبدًا بالعودة إلى وطنه في الوقت الحاضر.


لكن مع مرور السنين، لم تسر الأمور بسلاسة كما كانت في البداية، لقد تعرض لخسائر فادحة في العمل، وحدثت بعض الأمور بشكل خاطئ عدة مرات مع جيرانه حيث سبب له انزعاجا كبيرا، ومر الوقت له مثل هروب السهم، لأنه كان مشغولاً من الصباح حتى الليل ثمّ مرت ثلاثمائة عام بهذه الطريقة الرتيبة، ثم أخيرًا بدأ يتعب من الحياة في هذا البلد، ويتوق لرؤية أرضه ومنزله القديم حيث مهما طالت مدة بقائه هنا، كانت الحياة ستظل دائمًا كما هي لذا فكر: ألم يكن من الغباء والمرهق البقاء هنا إلى الأبد؟


وفي رغبته في الهروب من بلد الحياة الأبدية، تذكر سينتارو جوفوكو الذي ساعده من قبل عندما كان يرغب في الهروب من الموت، وصلى لإعادته إلى أرضه مرة أخرى، وبينما كان يصلي خرج الطائر من جيبه حيث اندهش سينتارو عندما رأى أنه لم يتضرر بعد كل هذه السنوات، ومرة أخرى نما الطائر حتى أصبح كبيرًا بما يكفي ليصعد عليه وأثناء قيامه بذلك، نشر الطائر جناحيه وحلّق بسرعة عبر البحر في اتجاه اليابان.


كان هذا هو عناد طبيعة الرجل لدرجة أنه نظر إلى الوراء وندم على كل ما تركه وراءه وبعدما حاول إيقاف الطائر دون جدوى، ظل الطائر مستمراًفي طريقه لآلاف الأميال عبر المحيط ثم هبت عاصفة، وأصبح الطائر الورقي الرائع رطباً وتفتت وسقط في البحر وسقط سينتارو معه، عندها خائفًا جدًا من فكرة الغرق وصرخ بصوت عالٍ إلى جوفوكو لإنقاذه، ثمّ نظر حوله، لكن لم تكن هناك سفينة في الأفق.


ابتلع كمية من مياه البحر، مما زاد من محنته وبينما كان يكافح من أجل البقاء على قدميه، رأى سمكة قرش وحشية تسبح نحوه وعندما اقترب، فتح فمه الضخم جاهزًا لالتهامه حيث أصيب سينتارو بالشلل من الخوف الآن بعد أن شعر أن نهايته قريبة جدًا، وصرخ بصوت عالٍ قدر استطاعته إلى جوفوكو ليأتي وينقذه.


ثمّ استيقظ سينتارو فجأة على صراخه، ليجد أن كل مغامراته غير العادية والمخيفة كانت مجرد حلم جامح حيث كان متعَرَقاً وبارداً من الخوف، ومُحتارٌ تمامًا، وفجأة نزل نحوه ضوء ساطع، وفي النور وقف جني حمل كتابًا في يده، وتحدث إلى سينتارو: لقد أرسلت إليك من جوفوكو، الذي سمح لك في المنام برؤية أرض الحياة الأبدية، استجابة لدعواتك، لكنك سئمت العيش هناك، وتوسلت أن يُسمح لك بالعودة إلى وطنك حتى تموت وحتى يتمكن جوفوكو من المحاولة سمح لك بالسقوط في البحر، ثم أرسل سمكة قرش لابتلاعك، ولم تكن رغبتك في الموت حقيقية، لأنك حتى في تلك اللحظة صرخت بصوت عالٍ وصرخت طلباً للمساعدة.


من العبث أيضًا أن تتمنى أن تصبح ناسكًا، أو أن تجد إكسير الحياة. هذه الأشياء ليست مثلك، حياتك ليست قاسية بما فيه الكفاية. الأفضل لك أن تعود إلى بيت أبيك وتعيش حياة كريمة ومثابرة، لا تهمل أبدًا الاحتفاظ بالذكرى السنوية لأسلافك، واجعل من واجبك توفير مستقبل أطفالك، وهكذا ستعيش إلى شيخوخة جيدة وتكون سعيدًا لكن تتخلى عن الرغبة الباطلة في الهروب من الموت، لأنه لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك، وبحلول هذا الوقت بالتأكيد اكتشفت أنه حتى عندما يتم منح الرغبات الأنانية فإنها لا تجلب السعادة. بمجرد أن انتهى من الكلام، وأخذ سينتارو الدرس على محمل الجد ثمّ عاد إلى بيته القديم متخليًا عن كل أمنياته القديمة الباطلة، وحاول أن يعيش حياة طيبة ومفيدة، وأن يراعي الدروس التي تعلمها من تجربته.