ظل جان جاك روسو شخصية مهمة في تاريخ الفلسفة وذلك بسبب مساهماته في الفلسفة السياسية وعلم النفس الأخلاقي وبسبب تأثيره على المفكرين اللاحقين، وكانت نظرة روسو الخاصة للفلسفة والفلاسفة سلبية تمامًا حيث رأى الفلاسفة على أنّهم العقلانيون اللاحقون للمصلحة الذاتية باعتبارهم مدافعين عن أشكال مختلفة من الاستبداد ولعب دور في عزل الفرد الحديث عن الدافع الطبيعي للإنسانية إلى التعاطف.


ويبقى القلق الذي يهيمن على عمل روسو هو إيجاد طريقة للحفاظ على حرية الإنسان في عالم يعتمد فيه البشر بشكل متزايد على بعضهم البعض لتلبية احتياجاتهم، ويعد هذا الاهتمام له بعدين وهما المادي والنفسي، وهذا الأخير له أهمية أكبر.

حياة الفيلسوف روسو:

وُلِد جان جاك روسو في مدينة جنيف الكالفينية المستقلة عام 1712، وهو ابن صانع ساعات إسحاق روسو وسوزان برنارد، توفيت والدة روسو بعد تسعة أيام من ولادته ونتيجة لذلك نشأ روسو وتلقى تعليمه على يد والده حتى سن العاشرة، وكان إسحاق روسو واحدًا من الأقلية الصغيرة من سكان جنيف الذين يتمتعون بدرجة مواطن جنيف وهو وضع كان على جان جاك أن يرثه.

وفقًا لروايات روسو اللاحقة فإنّ التعليم العشوائي الذي تلقاه من والده تضمن كلاً من غرس الوطنية الجمهورية وقراءة المؤلفين الكلاسيكيين مثل بلوتارخ الذين تعاملوا مع الجمهورية الرومانية، وفي منفى والده من المدينة لتجنب الاعتقال تم وضع جان جاك في رعاية قس في بوسي المجاورة وثم تدرب لاحقًا على عمل نقاش.

وغادر روسو المدينة في سن السادسة عشرة وخضع لتأثير النبيلة الرومانية الكاثوليكية المتحولة فرانسواز لويز دي لا تور بارون دي وارينز (Francoise-Louise de la Tour, Baronne de Warens)، حيث رتبت السيدة دي وارينز سفر روسو إلى تورين وهناك تحول إلى الكاثوليكية الرومانية في أبريل 1728، وأمضى روسو بعض الوقت في العمل كخادم منزلي في منزل نبيل في تورين وخلال هذا الوقت حدثت حادثة مخزية اتهم فيها خادمًا زميلًا له بسرقة شريط وهذا الفعل أثر عليه بعمق وعاد إليه في أعمال سيرته الذاتية.

ثم أمضى روسو فترة تدريب قصيرة ليصبح كاهنًا كاثوليكيًا قبل الشروع في مهنة قصيرة أخرى كموسيقي متجول ونسخ موسيقى ومعلم، وفي عام 1731 عاد إلى السيدة دي وارينز في شامبيري وأصبح لاحقًا عشيقها لفترة وجيزة ثم مدير منزلها، وظل روسو مع السيدة دي وارينز خلال ما تبقى من ثلاثينيات القرن الثامن عشر وانتقل إلى ليون في عام 1740 لتولي منصب مدرس، ما الذي جعله هذا التعيين في مدار كل من كونديلاك ودالمبرت حيث كان أول اتصال له مع الشخصيات الرئيسية في عصر التنوير الفرنسي.

في عام 1742 سافر إلى باريس بعد أن وضع خطة لنظام تدوين موسيقي جديد قائم على العددي قدمه إلى أكاديمية العلوم، وتم رفض النظام من قبل الأكاديمية ولكن في هذه الفترة التقى روسو بدينيس ديدرو، وتبع ذلك فترة وجيزة كسكرتير للسفير الفرنسي في البندقية قبل أن ينتقل روسو إلى باريس على أساس دائم من عام 1744 حيث واصل العمل بشكل أساسي على الموسيقى وبدأ في كتابة مساهمات في موسوعة من ديدرو ودالمبرت (Encyclopédie of Diderot and d’Alembert).

في عام 1745 التقى روسو بتريز ليفاسور خادمة غسيل بالكاد متعلمة أصبحت عشيقته ثم زوجته لاحقًا، ووفقًا لرواية روسو الخاصة أنجبت تيريز خمسة أطفال تم إيداعهم جميعًا في مستشفى اللقيط بعد الولادة بفترة وجيزة وهي عقوبة شبه مؤكدة بالإعدام في فرنسا في القرن الثامن عشر، استخدم فولتير فيما بعد تخلي روسو عن أطفاله ضده.

في عام 1749 أثناء سيره إلى فينسينز لزيارة ديدرو المسجون لفترة وجيزة صادف روسو إعلانًا في إحدى الصحف عن مسابقة مقال نظمتها أكاديمية ديجون، حيث سعت الأكاديمية إلى تقديم مساهمات حول موضوع ما إذا كان تطوير الفنون والعلوم قد أدى إلى تحسين أو إفساد الأخلاق العامة، ادعى روسو في وقت لاحق أنّه عاش في ذلك الوقت وهناك ظهورًا شمل الفكر وهو أمر أساسي في رؤيته للعالم حيث أنّ الجنس البشري جيد بطبيعته ولكن المجتمع يفسده.

دخل روسو في خطابه حول العلوم والفنون (المعروف تقليديا باسم الخطاب الأول) للمنافسة وفاز بالجائزة الأولى بأطروحته المتناقضة القائلة بأنّ التنمية الاجتماعية بما في ذلك الفنون والعلوم تفسد كل من الفضيلة المدنية والشخصية الأخلاقية الفردية، ونُشر الخطاب في عام 1750 وهو مهم بشكل أساسي لأنّ روسو استخدمه لتقديم موضوعات طورها بعد ذلك في عمله اللاحق لا سيما الفضيلة الطبيعية للشخص العادي والفساد الأخلاقي الناجم عن الرغبة في التميز، وجعل الخطاب الأول روسو مشهوراً وأثار سلسلة من الردود التي رد عليها بدوره.

كان تحول روسو إلى الكاثوليكية قد جعله غير مؤهل لوضعه الوراثي كمواطن في جنيف، ففي 1754 استعاد هذه الجنسية عن طريق التحول إلى الكالفينية، وفي العام التالي نشر كتابه “خطاب حول أصول عدم المساواة” ومرة أخرى ردًا على مسابقة مقال من أكاديمية ديجون.

وعلى الرغم من أنّه لم يفز بجائزة الأكاديمية للمرة الثانية فإنّ الخطاب الثاني هو عمل أكثر إنجازًا بكثير وفيه يبدأ روسو في تطوير نظرياته عن التطور الاجتماعي البشري وعلم النفس الأخلاقي، ومع الخطاب الثاني أصبحت المسافة بين روسو والموسوعي السائدة لفكر التنوير الفرنسي واضحة، وتم تدعيم هذا الصدع بنشره للرسالة إلى دالمبرت d’Alembert على المسرح عام 1758 حيث شجب فكرة أنّ مدينته الأصلية ستستفيد من بناء المسرح، فمن وجهة نظر روسو يميل المسرح بعيدًا عن تحسين السكان وإلى إضعاف ارتباطهم بحياة البوليس.

كانت السنوات التي أعقبت نشر الخطاب الثاني في عام 1755 هي الأكثر إنتاجية وأهمية في مسيرة روسو المهنية، وانسحب من باريس وتحت رعاية السيدة دي إيبيناي أولاً ثم دوق ودوقة لوكسمبورغ عمل على رواية جولي، وهيلوس (ou La Nouvelle Héloïse) ثم على إميل والعقد الاجتماعي.

أعمال ومهن أخرى عمل بها الفيلسوف روسو:

بالإضافة إلى مساهماته في الفلسفة كان روسو نشيطًا كملحن ومنظر موسيقى ورائد في السيرة الذاتية الحديثة وروائي وعالم نبات، وإنّ تقدير روسو لعجائب الطبيعة وتأكيده على أهمية المشاعر والعاطفة جعله له تأثير هام على الحركة الرومانسية ومتوقع لها، وإلى حد كبير جدًا فإنّ الاهتمامات والمخاوف التي تميز عمله الفلسفي تُعلم أيضًا هذه الأنشطة الأخرى وغالبًا ما تعمل مساهمات روسو في المجالات غير الفلسفية الظاهرة على إلقاء الضوء على التزاماته وحججه الفلسفية.

أعمال روسو في الموسيقى:

ظلت الموسيقى هي اهتمام روسو الأساسي في هذه الفترة وشهد العامان 1752 و 1753 أهم مساهماته في هذا المجال:

  1. أوبرا (Le Devin du Village – قرية سوثساير) والتي حققت نجاحًا فوريًا (وظلت في ذخيرة الموسيقى لمدة قرن).

  2. الثاني هو مشاركته في (صراع المهرجين – querelle des bouffons) وهو جدل أعقب أداء شركة إيطالية زائرة لبيرجوليسي (La Serva Padrona) والذي حرض أنصار الموسيقى الإيطالية ضد أولئك من الطراز الفرنسي.

روسو الذي كان قد طور بالفعل ذوقًا للموسيقى الإيطالية أثناء إقامته في البندقية انضم إلى النزاع من خلال رسالته حول الموسيقى الفرنسية وأبلغ الجدل أيضًا مقالته (غير المنشورة) عن أصل اللغات، وكان تركيز روسو على أهمية اللحن والتواصل العاطفي كعنصر أساسي في وظيفة الموسيقى يتعارض مع آراء رامو الذي شدد على الانسجام والعلاقة بين الموسيقى والرياضيات والفيزياء، وذهب روسو إلى حد إعلان أنّ اللغة الفرنسية غير موسيقية بطبيعتها وهي وجهة نظر تتناقض على ما يبدو مع ممارسته الخاصة في Le Devin.

المساهمات الفلسفية للفيلسوف روسو:

من أهم أعماله التي ساهمت في الفلسفة السياسية بحيث كان له تأثير في الثورة الفرنسية والأمريكية والإرادة العامة، كما ساهم أيضًا في نشر فلسفته في التعليم وتربية الطفل بشكل واسع في أنحاء العالم:

  • رواية جولي.

  • إميل Emile: وهو عمل يظهر فيه روسو فلسفته في التربية عن طريق سرد يحكي فيه قصة الطفل إميل.

  • كتاب العقد الإجتماعي.

  • رسالة بحث في منشأ وأسس عدم المساواة.

  • كتاب هلويز الجديد وهي عبارة عن رواية رومنسية يختلط فيها فلسفته في انتقادة للمبادئ الأخلاقية.

تأثير أعماله على سيرته المهنية وعلى حياته:

في عام 1761 وحقق عمله الروائي جولي نجاحًا فوريًا، وتتمحور الرواية حول مثلث حب بين جولي ومعلمها سانت بري وزوجها وولمار، ويُلقى العمل في شكل رسائل وهو مصدر تكميلي مهم لتفسير فلسفة روسو الاجتماعية ويحتوي كما هو الحال على عناصر مثل رؤية المجتمع الريفي ووجود عبقري متلاعب يحقق مظهر الانسجام الطبيعي من خلال حيلة ماكرة، ومن ثم يتوقع كل من المعلم في إميل ومشرع العقد الاجتماعي، وظهر كلا العملين في عام 1762 مما يمثل ذروة إنجاز روسو الفكري.

لسوء حظ روسو أدى نشر هذه الأعمال إلى كارثة شخصية حيث تمت إدانة عمله إميل Emile في باريس وتم إدانة كل من إميل Emile والعقد الاجتماعي في جنيف على أساس التعددية الدينية، وردًا على ذلك جزئيًا تخلى روسو أخيرًا عن جنسيته من جينيفان في مايو 1763، وأُجبر روسو على الفرار هربًا من الاعتقال باحثًا عن اللجوء أولاً في سويسرا ثم في يناير 1766 بناءً على دعوة من ديفيد هيوم سافر إلى إنجلترا.

تميزت إقامة روسو في إنجلترا بزيادة عدم الاستقرار العقلي وأصبح مقتنعًا خطأً بأنّ هيوم كان في قلب مؤامرة ضده، وأمضى أربعة عشر شهرًا في ستافوردشاير حيث عمل على سيرته الذاتية والاعترافات والتي تحتوي أيضًا على دليل على جنون العظمة في تعامله مع شخصيات مثل ديدرو والكاتب الألماني فريدريش ملكيور البارون فون جريم.

عاد إلى فرنسا في عام 1767 ثم أمضى معظم بقية حياته في العمل على نصوص سيرته الذاتية واستكمل الاعترافات لكنه قام أيضًا بتأليف الحوارات وهي روسو قاضي جان جاك و(الإحتيالات من المشاة الانفرادي – The Reveries of the Solitary Walker)، كما أنهى “اعتباراته بشأن حكومة بولندا في هذه الفترة”، وفي وقت لاحق من حياته طور اهتمامه بعلم النبات (حيث أثبت عمله تأثيره في إنجلترا من خلال رسائله حول هذا الموضوع إلى دوقة بورتلاند)، أما في الموسيقى حيث التقى وتواصل مع الملحن الأوبرا كريستوف غلوك، وتوفي روسو عام 1778، وفي عام 1794 نقل الثوار الفرنسيون رفاته إلى بانثيون في باريس.

فلسفة الحرية لدى روسو:

في العالم الحديث يستمد البشر إحساسهم بالذات من رأي الآخرين وهي حقيقة يراها روسو على أنّها تآكل للحرية ومدمرة لأصالة الفرد، وفي عمله الناضج والمدروس يستكشف بشكل أساسي طريقتين لتحقيق الحرية وحمايتها:

  1. الأول هو المسار السياسي الذي يهدف إلى بناء المؤسسات السياسية التي تسمح بالتعايش بين المواطنين الأحرار والمتساوين في مجتمع يتمتعون فيه بالسيادة.

  2. الثاني هو مشروع لتنمية الطفل وتعليمه والذي يعزز الاستقلالية ويتجنب تطوير أكثر أشكال المصلحة الذاتية تدميراً.

ومع ذلك على الرغم من أنّ روسو يعتقد أنّ التعايش بين البشر في علاقات المساواة والحرية أمر ممكن إلّا أنّه دائمًا متشائم إلى حد كبير من أنّ الإنسانية سوف تفلت من ديستوبيا (واقع مرير) من الاغتراب والقمع وانعدام الحرية.

المصدر:

جان جاك روسو حياته وكتبه، تأليف الدكتور محمد حسين هيكل 1923، القاهرة دار المعارف، الطبعة الثالثة 1978. خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر، ترجمة بولس غانم، تدقيق وتقديم عبدالعزيز لبيب، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى بيروت 2009. إميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، تأليف جان جاك روسو، ترجمة د.نظمي لوقا، تقديم الأستاذ أحمد زكي محمد، الناشر الشركة العربية للطباعة والنشر 1958. العقد الإجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية، ترجمة عادل زعيتر، الناشر مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت الطبعة الثانية 1995. في العقد الإجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة وتقديم وتعليق عبدالعزيز لبيب، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى بيروت 2011. محاولة في أصل اللغات، تأليف جان جاك روسو، ترجمة محمد محجوب، تقديم د.عبدالسلام المسدي، دار الشؤون الثقافية العامية- بغداد. إعترافات جان جاك روسو، تأليف جان جاك روسو، ترجمة حلمي مراد، الناشر دار البشير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – بيروت، 1998.