جميع الأمم التي تعاقبت الحياة على وجه المعمورة، قد حازت على الموروث الثقافيّ الذي يخصها، وكما إنه يجعلها تتفرد به عن غيرها، وهو بدوره يعبّر عن الكثير من الوقائع والمناسبات، التي حصلت خلال التاريخ، ولعل من أكثر أنواع التراث شهرة “الأمثال الشعبية” والحكم، ويقوم الناس باستخدام هذه الأمثال أو الحكم إذا مرّوا بظرف أو حدث مشابه للحدث الأصلي الذي قيلت فيه تلك الأمثال، فيعبرون عنه بمثل أو حكمة، وهكذا تبقى محفوظة، ويتداولها الناس جيلًا بعد جيل مع إضافة ما استجد من أمثال تعبر عن أحداث الحاضر، والمثل الذي بين أيدينا هو: “سمن كلبك يأكلك”.

 

فيم يضرب مثل: “سمن كلبك يأكلك”؟

 

في أمثال العرب نجد الكثير منها يتحدث عن الغدر والخيانة وجحود الجميل، ولعل من أكثر الأمثال شهرة، مثل: “سمن كلبك يأكلك”، ويُضرب هذا المثل في الذي يُحسن إليه وهو ضعيف، حتى إذا قوي واشتد عوده غدر، وأول من أرسل هذا المثل هو حازم بن المنذر الحماني.

 

قصة مثل “سمن كلبك يأكلك”:

 

كما أسلفت أن صاحب مثل: “سمن كلبك يأكلك”، هو: “حازم بن المنذر الحماني”، حيث كان بمحلة همدان، حين وجد صبيًا ملفوفًا، فرقّ له قلبه، فما كان منه إلا أن حمله، وسار به إلى منزله، وطلب إلى أمة أن ترضعه وترعاه، ولما كبر وترعرع في كنفه جعله راعيًا لغنمه، وأطلق عليه اسم “جحيشًا”، غبر أن جحيشًا هذا لم يحفظ الجميل، إذ كان من طبعه الزجر والنفور، وكان لحازم ابنة يقال لها “رعوم”، أحبت الغلام وأحبها، وكان الفتى ذا منظر وجمال، وفي يوم خرج جحيشا إلى الكلأ يرعى الغنم، فتبعته الفتاة، ولما دنت منه سمعته ينشد الشعر قائلًا:

 

“أمالكَ أمٌّ فــتــُـدعــى لـها … ولا أنت ذو والِـدٍ يُـعـْـرَفُ

أرى الـطيـر تـُخبرني أنني … جُحيـشٌ وأنّ أبي حـرشفُ

يقول غـُرابٌ غـَدا سـائِـحـًا … وشاهِدُهُ جاهِـدًا يَـحـْلِـفُ

بأنـّي لـهَـمْـدان فـي غـَـرّهـــا … وما أنا جَـافٍ ولا أهـْـيَـفُ

ولكنـّي مـن كِـرام الـرّجـال … إذا ذكِـرَ الـسّـيّـد الأشرفُ”،

 

ولما شعر “جحيش” بوجود رعوم، رفع صوته، وهو يتغنى بحبها قائلًا:

“يا حَــبـّـذا ربـيـبـتي رعـوم … وحَـبّـذا مَـنـطِـقــُـهـا الـرّخِيـم

وريحُ مـا يـأتـي بـه الـنسـيم… إنـّي بـهــا مُـكـَلـفٌ أهِيـمُ

لو تـعلمين الـعِلـم يـا رعوم … إنـّي مِـنْ هَـمْدانِها صَـميــمُ”،

 

فلما سمعته “رعوم” ازدادت به حبًا، وأقبلت عليه وهي تنشد:

 

“طـارَ إليـكم عَرَضـًا فؤادي … وقـَلّ مـن ذِكراكم رُقــَادي

وقـد جَـفـَا جَـنـْبـي عـن الـوسادِ … أبـِيـتُ قـد حالـفني سُهادي”.

 

دنا “جحيش” من “رعوم”، وأجلسها وأخذا يتبادلان الحب، وكانا يفعلان ذلك دائمًا حتى شعر الأب ذات مرة بغياب ابنته، وفطن لأمرها، ولما خرجت تبعها، ووصل إليهما، وهما على سوأة فقال حينها: “سمن كلبك يأكلك”، ويقصد بهذا “جحيشًا” الذي رباه وكبره فهتك عرضه، ولما شد سيفه ليقتل جحيشًا أفلت منه، وعاد إلى قومه همدان، وبعدها رجع إلى ابنته وهو يقول موت الحرة خير من العرة، وأُرسلت هذه المقولة مثلًا أيضًا، ولما وصل إليها وجدها قد انتحرت فأنشد قائلًا:

 

“قد هان هذا الثكـْل لولا أنني … قد أحبـبـتُ قـتلِكِ بالحسام الصارم

ولقد همَمْتُ بذاك لولا أنني … شـَمّـرتُ في قتـْل اللـعين الظالم

فعلـيْكِ مَقتُ الله مِـنْ غـدّارةٍ … وعلـيـكِ لـَعـْنـَـتــُـهُ ولـعـنـَـة حازم”.