جوهر النظرية السياسية للفيلسوف جورجيو أغامبين هو تحليله لتناقض السياسة وعلاقتها المشؤومة بالقانون، والشخصية الرئيسية في هذه العلاقة نتاجها السياسي الحيوي هو الإنسان (sacer) أي الإنسان التقي، وهو رقم يعود تاريخه إلى القانون الروماني القديم، وبالنسبة إلى أغامبين، فإنّ (homo sacer) -وهو عنوان عمله الفلسفي في السياسة- هو المظهر المثالي للسلطة السيادية التي خلقت هذا الرقم من خلال حظره باعتباره خارجًا عن القانون، ويمكن أن يتعرض للأذى أو حتى القتل مع الإفلات من العقاب وكل ذلك باسم القانون.

 

نظرة عامة لفلسفة أغامبين السياسية:

 

تهدف نظرية أغامبين السياسية إلى الكشف عن المنطق المتأصل للسلطة السيادية وتأثيراتها في تحديد الأشخاص القانونيين للقانون (التضمين)، وعلى نفس المنوال في فرض الخيار المعلق لفصل هذه الموضوعات القانونية ذاتها (أو أجزاء منها) عن النظام القانوني (الاستبعاد)، ووفقًا لأغامبين فإنّ هذا الشمول الإقصائي يوضح ليس فقط منطق السياسة الحيوية ولكن أيضًا القوة المدمرة للسيادة التي جمعت القدرة على تشكيل الحياة لمصلحتها من خلال ربط السياسة والقانون معًا.

 

تاريخياً هذا النوع من السيادة له أصول قديمة ولكن سياسياً، وقد تم إطلاق العنان لقوته الحقيقية في العصر الحديث، وبالنسبة لأغامبين أصبح الإنسان (sacer) شفرة المجتمعات الحديثة، بغض النظر عن الاختلافات المتعددة بين الأنظمة السياسية الديمقراطية والاستبدادية، ولهذا السبب أطلق على مشروعه المركزي في مجال النظرية السياسية اسم (Homo Sacer).

 

مفهوم الحياة المجردة لدى أغامبين:

 

بقدر ما هو استفزازي فإنّ فهم ادعاء أغامبين الذي أطلقه في السياسة المعاصرة بأنّنا جميعًا مقدسون، يتطلب أيضًا تقديرًا لمفهوم الحياة المجردة التي طورها أغامبين من التمييز اليوناني القديم بين الحياة الطبيعية (zoe)، وشكل معين من أشكال الحياة (bios) خاصةً كما تم التعبير عنها في حساب أرسطو لأصول بوليس، وتكمن أهمية هذا التمييز في أرسطو في أنّه يسمح بإبعاد الحياة الطبيعية إلى نطاق الأسرة (oikos)، مع السماح أيضًا بخصوصية خاصية الحياة الجيدة التي تتميز بها المشاركة في السياسة (bios politikos).

 

والأهم من ذلك بالنسبة لأغامبن أنّ هذا يشير إلى حقيقة أنّ السياسة الغربية تقوم على ما تستثنيه من السياسة، حيث الحياة الطبيعية التي يتم وضعها في نفس الوقت خارج المجال السياسي ولكنها مع ذلك متورطة في السياسة الداخلية، ولكن هنا السؤال الذي يطرح نفسه إذن، كيف يتم تسييس الحياة نفسها أو الحياة الطبيعية؟ الجواب على هذا السؤال هو من خلال التخلي عن سلطة الموت غير المشروطة أي سلطة السيادة، حيث إنّه في هذا التخلي عن الحياة الطبيعية للعنف السيادي.

 

ويرى أغامبين أنّ علاقة الهجر التي تحصل بين الحياة والقانون على أنّها أصلية وتظهر الحياة المجردة، ولأنّ الحياة المجردة ليست حياة طبيعية في حد ذاتها على الرغم من أنّها غالبًا ما يتم الخلط بينها وبينها في القراءات النقدية لأغامبين، جزئيًا كنتيجة لعدم تناسق أغامبين ولكنها بالأحرى الشكل المسيّس للحياة الطبيعية، وكونها ليست (bios) ولا (zoe) إذن تظهر الحياة المجردة من هذا التمييز ويمكن تعريفها على أنّها حياة معرضة للموت خاصة في شكل عنف سيادي.

 

إنّ النقطة التجريبية لظروف هاتين الأطروحتين بشأن الاستثناء وإنتاج الحياة المجردة هي الصعود التاريخي لمعسكر الاعتقال الذي يرى أغامبين أنّه يشكل حالة الاستثناء بامتياز، وعلى هذا النحو فهو ليس وضعًا استثنائيًا بمعنى أنّه يستلزم قطيعة أساسية مع العقلانية السياسية للحداثة، ولكنه في الواقع يكشف عن القانون الحديث (nomos of the modern) والتقارب المتزايد بين الديمقراطية والشمولية.

 

وفقًا لأغامبن فإنّ المعسكر هو المساحة المفتوحة عندما يصبح الاستثناء هو القاعدة أو الوضع الطبيعي، كما كان الحال في ألمانيا في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وطوالها، وعلاوة على ذلك فإنّ ما يميز المعسكر هو عدم التمييز بين القانون والحياة حيث تصبح الحياة المجردة العتبة التي يتحول فيها القانون باستمرار إلى واقع وحقيقة إلى قانون.

 

يساهم عدم القدرة على تمييز الحياة والقانون بشكل فعال في حدوث أزمة معيارية، لأنّه هنا لم يعد الأمر يتعلق بسيادة القانون على الجسد الحي أو ينطبق عليه، بل بالأحرى أصبح الجسد الحي القاعدة والمعيار لتطبيقه الخاص مما يقوض اللجوء إلى تجاوز القانون أو استقلاله كمصدر شرعيته، والأمر المثير للجدل بشكل خاص حول هذا الادعاء هو أنّه إذا كانت المعسكرات هي في الواقع قانون (nomos) أو مصفوفة خفية للسياسة الحديثة، حيث إنّ الأزمة المعيارية الواضحة فيها لا تقتصر عليها تحديدًا، ولكنها في الواقع سمة من سمات وضعنا الحالي وهي حالة يصفها أغامبين بأنّها عدمية غير كاملة.

 

الأهم من ذلك وبالإضافة إلى ذلك يجادل أغامبين بأنّ منطق الاستبعاد الشامل الذي يبني علاقة الحياة الطبيعية بالبوليس، والتي تتجلى آثارها بشكل أكثر وضوحًا في المخيمات، وهو مشابه تمامًا لعلاقة الانتقال من الصوت إلى الكلام التي تشكل الطبيعة السياسية للإنسان في وصف أرسطو، فبالنسبة لأرسطو فإنّ الانتقال من الصوت إلى اللغة هو الشرط التأسيسي للمجتمع السياسي، لأنّ الكلام يجعل التمييز ممكنًا بين العادل وغير العادل.

 

يكتب أغامبين أنّ السؤال عن كيفية إقامة الحياة الطبيعية في البوليس يتوافق تمامًا مع السؤال عن كيفية وجود لغة للكائن الحي، لأنّه في السؤال الأخير يمتلك الكائن الحي شعارات من خلال إزالة صوته والحفاظ عليه فيه، حتى لأنّها تسكن في بوليس من خلال ترك حياتها المجردة مستبعدة كاستثناء داخلها، ومن ثم بالنسبة لأغامبين فإنّ الصدع أو القيصرية التي أدخلت إلى الإنسان من خلال تعريف الإنسان على أنّه الحيوان الحي الذي لديه لغة وبالتالي السياسة هي أساس السياسة الحيوية.

 

هذا الانفصال هو الذي يسمح للإنسان أن يتحول إلى حياة مجردة في الأسر السياسية الحيوية، وبهذه الطريقة إذن تتشابك الميتافيزيقيا والسياسة بشكل أساسي ولن يكون من الممكن إيجاد شكل جديد من السياسة إلّا من خلال التغلب على العقائد المركزية للميتافيزيقا الغربية.

 

ومع ذلك فإنّ هذا التشخيص اللعين للسياسة المعاصرة لا يقود أغامبين إلى موقف اليأس السياسي، وبدلاً من ذلك تظهر أيضًا وسائل التغلب على الأخطار الحالية في أزمة السياسة المعاصرة، حيث يعتمد تنظير أغامبين لـ (السياسة القادمة) -التي هي في صيغتها الحالية غير متطورة في عدد من الطرق المهمة- على منطق الحل المبتهج لـ (aporias) أي (السؤال) التي تميز الديمقراطية الحديثة بما في ذلك أبوريا الحياة المجردة.

 

في عمل أغامبين يعني بلا نهاية (In Means without End)، يجادل في سياسة الوسائل النقية التي لا تختلف تمامًا عن تلك التي طرحها والتر بنجامين، حيث كتب أنّ: “السياسة ليست مجالًا لهدف في حد ذاته ولا وسائل خاضعة لهدف، وبالأحرى هو مجال إنسيّة خالصة بلا نهاية يقصد منها أن تكون ميدان الفعل البشري والفكر البشري”.

 

في تطوير هذا الادعاء يدّعي أغامبين أنّ السياسة القادمة يجب أن تأخذ في الحسبان المشكلة المزدوجة لموضوع ما بعد هيجل لنهاية التاريخ ومع موضوع هيدجر لإيريجنيس، من أجل صياغة حياة وسياسة جديدة في كل من التاريخ و الدولة تنتهي في وقت واحد، وتتطلب هذه التجربة لسياسة جديدة بدون الإشارة إلى السيادة والمفاهيم المرتبطة بها مثل الأمة والشعب والديمقراطية، صياغة حياة سعيدة جديدة لا يمكن فيها أبدًا فصل الحياة المجردة كموضوع سياسي وفيها على المحك تجربة الاتصال نفسها.