ينحدر مفهوم الجمالية من مفهوم الذوق، وإنّ سبب حصول مفهوم الذوق على الكثير من الاهتمام الفلسفي خلال القرن الثامن عشر هو أمر معقد لكن هذا واضح جدًا، حيث ظهرت نظرية الذوق في القرن الثامن عشر جزئيًا كتصحيح لظهور العقلانية لا سيما عند تطبيقها على الجمال، وظهور الأنانية لا سيما فيما يتعلق بالفضيلة، وأيضًا تعتبر الأنانية مفهوم ضد العقلانية المتعلقة بالجمال.

 

كما اعتبرت نظرية الذوق في القرن الثامن عشر أنّ الحكم على الجمال فوري، كما قد جعل متعة الجمال غير مبالية، وضد الأنانية حول الفضيلة.

 

الأطروحة الفورية في فلسفة نظرية الذوق:

 

مبدأ العقلانية حول الجمال هي وجهة النظر القائلة بأنّ أحكام الجمال هي أحكام العقل، أي أننا نحكم على الأشياء على أنّها جميلة من خلال استنتاجها، حيث يتضمن التفكير المنطقي عادةً الاستنتاج من المبادئ أو تطبيق المفاهيم.

 

ففي بداية القرن الثامن عشر كانت العقلانية حول الجمال قد هيمنت على القارة، وتم دفعها إلى حدود متطرفة جديدة من قبل المساحين ومجموعة من المنظرين الأدبيين الذين كانوا يهدفون إلى تقديم النقد الأدبي الدقة الرياضية التي استخدمها ديكارت في الفيزياء.

 

حيث أوضح أحد هؤلاء المنظرين بأنّ طريقة التفكير في مشكلة أدبية هي تلك التي أشار إليها رسنسه ديكارت لمشاكل العلوم الفيزيائية، وأنّ الناقد الذي يحاول بأي طريقة أخرى لا يستحق أن العيش في القرن الحالي، ولا يوجد شيء أفضل من الرياضيات كمقدمة للنقد الأدبي.

 

كان ضد هذا وضد أشكال أكثر اعتدالًا من العقلانية حول الجمال، حيث بدأ الفلاسفة البريطانيون الذين يعملون بشكل أساسي في إطار تجريبي في تطوير نظريات الذوق، والفكرة الأساسية وراء أي نظرية من هذا القبيل، والتي قد نسميها الأطروحة الفورية هي أنّ أحكام الجمال لا يتم التوسط فيها، أو على الأقل ليس قانونيًا من خلال استنتاجات من مبادئ أو تطبيقات للمفاهيم، بل لها كل الفورية والآنية من الأحكام الحسية المباشرة، حيث إنّ الفكرة بكلمات أخرى أننا لا نستنتج أنّ الأشياء جميلة بل الذوق هو من يكتشف ذلك.

 

رأي المفكرين والفلاسفة بمفهوم الذوق:

 

في توضيح مبكر عن الأطروحة من تأملات جان باتيست دوبوس (Jean-Baptiste Dubos) النقدية حول الشعر والرسم والموسيقى والتي ظهرت لأول مرة في عام 1719 وذلك في وصفه لذوق الناس في صلصة الراغو، حيث هل يمكن أن يفكر الناس أبدًا من أجل معرفة ما إذا كان راغو (ragoo) جيدًا أم سيئًا، وهل دخلت في أي وقت مضى في رأس أي جسم، وبعد أن استقرت المبادئ الهندسية للذوق وحدد صفات كل مكون يدخل في تكوين تلك الفوضى.

 

وذلك لفحص النسبة الملحوظة في الخليط من أجل تقرير ما إذا كان هل تكون جيدة أم سيئة؟ ففي العادة حسب رأي جان دوبوس أنّ هذا لا يمارس أبدا، حيث لدينا شعور من الطبيعة لتمييز ما إذا كان الطاهي يتصرف وفقًا لقواعد فنه، فالناس يتذوقون الراغو وإذا لم يكونوا على دراية بهذه القواعد، فإنّهم قادرون على معرفة ما إذا كانت جيدة أم لا، ويمكن قول الشيء نفسه في بعض جوانب إنتاج العقل، والصور المصنوعة لإرضاءنا وتحريكنا.

 

وهناك تعبير متأخر من نقد كانط لقوة الحكم في عام 1790، حيث أوضح أنّه قام أحدهم بقراءة قصيدته أو أخذنه إلى مسرحية فشلت في النهاية في إرضاء ذوق كانط، فيمكنه أن يستشهد هذا الشخص بالكتّاب والفيلسوفان باتو (Batteux) أو ليسينج (Lessing)، أو حتى كبار السن والأكثر شهرة من نقاد الذوق ويقتبس كل القواعد التي وضعوها كدليل على ذلك قصيدته جميلة، أنّ كانط سيتوقف عن سماع فن هذا الشخص الأدبي ولن يستمع إلى أي أسباب وحجج.

 

وكما أنّه يفضّل الاعتقاد بأنّ قواعد النقاد هذه خاطئة، وذلك بدلاً من السماح بتحديد حكمه عن طريق أسباب إثبات مسبقة، حيث من المفترض أن يكون الحكم من الذوق وليس من فهم العقل.

 

لكن نظرية الذوق لم تكن لتتمتع بمرور القرن الثامن عشر، ولن تستمر الآن في ممارسة تأثيرها، حتى لو كانت بدون موارد لمواجهة اعتراض عقلاني واضح، فهناك فرق كبير كما يقول المعارضين بين الحكم على امتياز الراغو والحكم على امتياز القصيدة أو المسرحية، ففي أغلب الأحيان تكون القصائد والمسرحيات موضوعات معقدة للغاية.

 

ولكن أخذ كل هذه التعقيدات يتطلب الكثير من العمل المعرفي، بما في ذلك تطبيق المفاهيم ورسم الاستدلالات، ومن الواضح إذن أنّ الحكم على جمال القصائد والمسرحيات ليس فوريًا ومن الواضح أنّه ليس مسألة ذوق.

 

كانت الطريقة الرئيسية لمقابلة هذا الاعتراض هي أولاً التمييز بين فعل استيعاب الشيء تمهيدًا للحكم عليه وفعل الحكم على الشيء بمجرد إدراكه، ثم السماح للأول ولكن ليس الثاني أن يكون كمفهوم وبوساطة الاستدلال كما قد يرغب أي عقلاني.

 

وفي هذا السياق يقوم ديفيد هيوم بتوضيح مميز حيث من أجل تمهيد الطريق لحكم على الذوق وإعطاء تمييز مناسب لموضوعه، غالبًا ما يكون من الضروري كما نجد أنّه يجب أن يسبق الكثير من التفكير، وأنّ يتم إجراء تمييزات لطيفة واستخلاص استنتاجات فقط وتشكيل مقارنات بعيدة والعلاقات المعقدة التي تم فحصها ، وتثبيت الحقائق العامة والتحقق منها.

 

فكما يرى هيوم أنّ بعض أنواع الجمال وخاصة الأنواع الطبيعية عند ظهورها لأول مرة تأمرنا بالحب والاستحسان، وحيثما يفشلون في تحقيق هذا التأثير يستحيل على أي منطق تصحيح تأثيرهم، أو تكييفهم بشكل أفضل مع ذوقنا ومشاعرنا، ولكن في العديد من رتب الجمال لا سيما تلك الخاصة بالفنون الجميلة، من الضروري استخدام الكثير من التفكير من أجل الشعور بالمشاعر الصحيحة.

 

اعتبر هيوم – مثل شافتسبري (Shaftesbury) وهتشسون (Hutcheson) من قبله وريد (Reid) من بعده بأنّ ملكة الذوق نوعًا من الحس الداخلي، على عكس الحواس الخمس الخارجية أو المباشرة فإنّ الحس الداخلي (أو الحس المنعكس أو الحس الثانوي) هو الذي يعتمد في أغراضه على التشغيل المسبق لبعض الملَكات أو الكليات العقلية الأخرى.

 

حيث يميزها ريد بأنّ جمال أو تشوه في شيء ناتج عن طبيعته أو بنيته، لذلك لإدراك الجمال يجب أن ندرك الطبيعة أو الهيكل الذي ينتج عنه، وفي هذا يختلف المعنى الداخلي عن الخارجي، وقد تكتشف حواس الإنسان الخارجية صفات لا تعتمد على أي تصور سابق، ولكن من المستحيل إدراك جمال شيء ما، دون إدراك الشيء أو على الأقل تصوره.

 

وبسبب الطبيعة أو الهياكل شديدة التعقيد للعديد من الأشياء الجميلة يجب أن يكون هناك دور للعقل في إدراكهم، ولكن إدراك طبيعة أو هيكل شيء ما هو شيء واحد، بينما إدراك جمالها شيء آخر.