الدولة الصفارية:

‏تُمثل هذه الدولة امتداداً سياسياً للحركات الانفصالية التي قامت في المشرق الإسلامي في جزء من أجزاء إيران الجغرافية وهو الجزء الجنوبي، أسسها يعقوب بن الليث الصفّار، الذي استغل فرصة ضعف الخلافة العباسية المُنهمكة في قتال الزّنج، فتغلب على أقاليم إيران الجنوبية وضمّ إليه بلاد فارس، وتوسع باتجاه خراسان بعد أن قضى على الدولة الطاهرية في عام (259 هجري)/(873 ميلادي)، فاشتدت شوكته، وسيطر على سجستان في أقصى شرقي إيران الجنوبية ووادي كابل والسند ومكران.

ثم كتب إلى الخليفة بما آلت إليه الأوضاع في المشرق. وتميز حُكّمه بالخصائص السائدة في ذلك العصر. فحقق الأمن والسلام في المناطق التي تحت سيطرته فتعلق الجيش به وسانده السكان. ويبدو أن الخليفة لم يرّضَ عن تصرفات يعقوب وتوسعاته. واعتبر أن الدولة الطاهرية هي القاعدة التى تعتمد عليها الخلافة فى المشرق وأن القضاء عليها من شأنه أن يُشكل تهديداً مُباشراً لها، وخطراً على الوجود العباسي في الولايات الشرقية. لذلك جاء ردّ الخليفة المعتمد على ازدياد نفوذ يعقوب سريعاً وقاسياً. فلعنه أمام حجاج خراسان والريّ وطبرستان وجرجان.

أثار تصرف الخليفة هذا غضب يعقوب فتحدى السلطة المركزية وتقدم نحو فارس واحتلها. وتابع تقدمه باتجاه العراق حتى وصل إلى الأهواز. فأرسل إلى الخليفة يطلب منه أن يعقد له على ولايات المشرق وشرطتي بغداد وسامراء وأن يبطل لعنه أمام الحجاج. شعرت الخلافة بعجزها عن التصدّي للزحف الصفّاري، فمالت إلى المُهادنة وأجابت يعقوب إلى طلبه، وكانت آنذاك بصدد الصدام مع الزّنج.

والحقيقة أن الخلافة لم تركن إلى الصلح إلا بقدر احتياجاتها لكي تلقط أنفاسها، وإيتاح فرصة أخرى، ينتهزون من أجل الانهاء على قوة الصفاريين، وكانت قد أقامت حُكماً موالياً لها في إقليم ما وراء النهر بقيادة نصر بن أحمد الساماني. فهددت بذلك الدولة الصفّارية من الخلف. أدرك يعقوب بن الليث سياسة الخليفة العدائية تجاهه، فقرر أن يضع حداً نهائياً لهذه الحالة بالسيطرة على بغداد وإخضاع الخلافة لسلطته المباشرة.

وظهر عجز الخلافة مرة أخرى، فمالت إلى المُهادنة كسباً للوقت فأرسلت إلى يعقوب تقليداً بأعمال فارس وخراسان وكرمان والري وأصفهان بالإضافة إلى شرطتي بغداد وسامراء، لكن هذا الأخير كان مريضاً، فلم يؤثر رفضه لتدابير الخليفة على الأحداث اللاحقة حيث توفي بعد ذلك في عام (256 هجري)/(878 ميلادي)، بعد أن تجاوز طموحه التبعية للخليفة العباسي إلى الانفصال التام عن دولة الخلافة العباسية.

خلف عمرو أخاه يعقوب باختيار الجند له، وقد اتصف بالبراعة السياسية. فلجأ إلى أسلوب آخر في نزاعه مع الخلافة مُتبِعاً سياسة اللين والمهادنة واضعاً كل اعتبار لتغير الظروف. لذلك كتب إلى الخليفة المُعتمد يعلن طاعته. فأرسل إليه الموفق التقليد بما كان بيد أخيه. ثم أخذ يعمل على تدعيم مركزه و تثبيت سلطانه في الداخل. فأنشأ جيشاً خاصاً من المماليك الترك لحراسته، وأهدى كثيراً منهم لقادته، وأغراهم بالمال ليوافوه سراً بالأخبار التي لا يستطيع الحصول عليها علناً.

العلاقات الطيبة مع الخلافة العباسية لم تلبث أن ساءت. ذلك أن المعتمد خشي من طموحات عمرو ونزعاته الانفصالية. وكان قد قضى لتوه على حركة الزّنج، فأضحى طليق اليدين فى التصرف تجاه الحركات الانفصالية. فأصدر قراراً بعزله عن البلاد التي ولاّه إياها، وأعلن هذا الخلع على ملا من حجاج خراسان، ولعنه بحضرتهم وقلّد مُحمداً بن طاهر، الذي حرَّره الخليفة من أسره، بلاد خراسان، ثم أرسل جيشاً إلى هذا البلد بقيادة الموفق لمحاربته فأجبره على التراجع إلى سجستان لكنه لم يستطع السيطرة على كرمان وسجستان، فعاد أدراجه.

ولما ولي المعتضد الخلافة في عام (279 هجري)/(892 ميلاي)، سارع عمرو إلى استرضائه. فأعلن ولاءه له وأرسل إليه الهدايا وسأله ولاية خراسان. فأجابه الخليفة إلى ذلك وعزل مُحمداً بن طاهر عنها. ثم طلب من الخليفة أن يوليه بلاد ما وراء النهر دون أن يقر الصعاب التي تعترض ذلك. وهنا وجد الخليفة فرصته للقضاء على قوة الصفّاريين المتزايدة.

فأراد أن يضرب عَمْراً بالقوة السامانية النامية. لذلك أجابه إلى طلبه، وهو يتوقع حصول صدام بين القوتين للفوز بحُكم هذا الإقليم. وفعلاً صدقت توقعات الخليفة، فقد اصطدم السامانيون بالصفّاريين في عام (287 هجري)/(900 ميلادي)، وتغلبوا عليهم، وأُسِر عمرو وأرسل إلى الخليفة الذي سجنه. ومات في سجنه في عام (289 هجري)/(902 ميلادي).

وأخذت الخلافة ترسل الجيوش تلو الجيوش إلى الولايات الشرقية لبسط سيطرتها الفعلية عليها حتى استطاعت القضاء على خلفاء عمرو. وتمكن أحمد بن إسماعيل الساماني من السيطرة على سجستان في عام (298 هجري)/(911 ميلادي)، ومن ثم زالت الدولة الصفّارية، بعد هذه الفترة القصيرة من الحكم على الرغم من قوة جيوشها واتساع رقعة البلاد التي حكمتها. وحسن إدارة قادتها. والسبب الرئيس لزوالها هو تهديدها للخلافة العباسية، وموقف هذه الأخيرة العدائي منها، وما بذلته من الجهود المتصلة للقضاء عليها.

أسماء الأمراء الصفاريين ومدة إمارة كل منهم:

1- أبو يوسف يعقوب بن الليث (254 – 256 هجري)/(867 – 878 ميلادي).


2- عمرو بن الليث (256 – 287 هجري)/(878 – 900 ميلادي).


3- أبو حسن طاهر بن محمد بن عمر بن الليث (287 – 296 هجري)/(900 – 908 ميلادي).


4- الليث بن علي بن الليث (296 – 298 هجري)/(908 – 910 ميلادي).


5- أبو علي محمد بن علي بن الليث (298 هجري)/(911 ميلادي).