الثقافة هي اتصال رمزي، حيث تتضمن بعض رموزها مهارات المجموعة ومعارفها ومواقفها وقيمها ودوافعها، ويتم تعلم معاني الرموز وتعمد إدامتها في مجتمع من خلال مؤسساته، وتتكون الثقافة من أنماط صريحة وضمنية للسلوك المكتسب والمنقول عن طريق الرموز، والتي تشكل الإنجاز المميز للجماعات البشرية بما في ذلك تجسيداتها في المصنوعات اليدوية، فيتكون الجوهر الأساسي للثقافة من الأفكار التقليدية وخاصة القيم المرتبطة بها، لذلك تؤثر الثقافة على الجريمة، حيث تتنافس المجموعات الاجتماعية المختلفة على تعريف الجريمة، كما تعكس هذه المنافسة تنافس القوى الثقافية المختلفة، وبالتالي فإنّ التنافس على تعريف الجريمة يوفر آلية تغذية مرتدة، بحيث تؤثر الجريمة على الثقافة وتؤثر الثقافة بدورها على الجريمة.

 

الثقافة الفرعية في الأدب الإجرامي

 

عند تعريف الثقافة الفرعية يقال هي مجموعة ثقافية داخل ثقافة أكبر، وغالبًا ما يكون لديها معتقدات أو اهتمامات تختلف عن تلك الموجودة في الثقافة الأكبر، ولكن لا يوجد تعريف دقيق أو موحد للثقافة الفرعية في الأدبيات الإجرامية، ولهذا السبب فهي عرضة للنقد، وكذلك تعد النظريات المنظمة حول المصطلح عرضة لسوء التفسير، والثقافة الفرعية بالطبع هي قطعة أثرية استنتاجية للثقافة على الرغم من أنّها مميزة بشكل جوهري.

 

لكن يعتبر التصنيف الواضح للثقافة أنّه المعنى الذي يولده البشر ويطبقونه على بيئتهم، حيث يسمح هذا المنظور للثقافة بأخذ شكل متنوع عبر المجتمع، ويسمح بالإجماع الاجتماعي على القيم التي تعني أنّه على الرغم من أنّ القيم قد تختلف، إلّا أنّها قد تتقارب وتتجمع بين المجموعات، مما يوفر الإمكانية التجريبية للثقافة الفرعية، وعادة ما يتم مشاركة القيم بواسطة الثقافة الفرعية، حيث أنّ بعض القيم أكثر انتشارًا ويقال أنها تلك الأقل تقليدية.

 

من الناحية النظرية فإنّ ما يدل على الانتماء إلى الثقافات الفرعية ليس مجرد قواسم مشتركة في أنماط السلوك، ولكن الشعور بالإدراك المتبادل فيما يتعلق بالأشياء والأفعال (مثل السلوكيات)، ولكي تكون جزءًا من ثقافة فرعية يستلزم أن يكون لدى الأشخاص درجة بارزة ومكثفة من التعرف على الآخرين الذين يتخذون أيضًا قرارًا لإسناد معنى مشابه إلى عوامل في عالمهم الاجتماعي، ومن المحتمل أن تعمل الظروف الهيكلية الاجتماعية مثل الأنماط الأوسع للعلاقات الاجتماعية كحافز لتحديد المجموعة حيث تعمل كقوة بارزة في التنظيم الجماعي وتسهل في نهاية المطاف تشكيلات الثقافة الفرعية.

 

دور القيم في الثقافة الفرعية وعلاقتها بالجريمة

 

بحلول النصف الأول من القرن العشرين كانت دراسة الانحراف تقع في بيئة فكرية نابضة بالحياة، مما مهد الطريق لتطوير ما يُنظر إليه الآن على أنّه نظريات أساسية في علم الإجرام، وبدأ علماء الجريمة في ذلك الوقت في افتراض الموقف التحليلي للوضعية حيث سعوا إلى اكتشاف البنية الشبيهة بالقانون التي تحكم الإجراءات الاجتماعية، وكان هدفهم تطوير علم الجريمة عن طريق البناء النظري.

 

في جوهرها تقول نظرية الانحراف الثقافي أنّ سبب الجريمة هو التواجد والتأثر في الأشخاص المنحرفين، ويؤكد علماء الجريمة على أنّ الأشخاص الذين يراهم شخص ما على أساس منتظم مثل الأقران والعائلة وسكان الحي ينقلون كيف يفترض أن يرتبط المرء بالسلوك غير القانوني، وطبق العلماء في كلية شيكاغو لعلم الاجتماع هذه الاستراتيجية أثناء التحقيق في آثار التحولات المعيارية على الأنماط السلوكية بين سكان الريف الذين يتفاوضون على الانتقال إلى الحياة الحضرية، وقارن آخرون الترابط المعقد لديناميكيات النمو الحضري والسلوك البشري مع فكرة التنمية التكافلية الموجودة في دراسة علم البيئة النباتية، ومن هذا المنطلق ظهرت نظريات الجنوح الثقافية الفرعية المبكرة من مدرسة شيكاغو.

 

كما ساهمت الأبحاث التجريبية في الإيكولوجيا الاجتماعية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بشكل مهم في الفهم المفاهيمي للظروف الرمزية التي تحفز ارتكاب الجرائم الإجرامية، وعلى أساس تحليلات سجلات محاكم الأحداث في المقاطعة توصل منظرو مدرسة شيكاغو الأوائل إلى أنّ معدلات الجنوح انخفضت بشكل حاد مع المكاسب في المسافة من وسط المدينة، وأنّ المعدلات تميل إلى أن تظل مستقرة نسبيًا عبر الأحياء على الرغم من دوران السكان.

 

علاقة النقل الثقافي بالجريمة

 

في دراسات التطور الثقافي غالبًا ما يُنظر إلى دقة وصحة نقل الثقافة كعنصر أساسي في ظهور التقاليد والحفاظ عليها، حيث يسهل انتقال الثقافة إلى انتشار السلوكيات داخل الفئات الاجتماعية، وقد يؤدي إلى إنشاء تقاليد مستقرة في كل من الحيوانات البشرية وغير البشرية، وكثيرًا ما يتم التأكيد على دقة النقل كعنصر أساسي في التطور الثقافي وكشرط أساسي للثقافة التراكمية، ويمكن أن يتحقق النقل الدقيق بشكل طبيعي أكثر عندما تتضمن آليات التعلم الاجتماعي التجربة والخطأ، وبذلك تزداد قوة النقل الاجتماعي.

 

عند الحديث عن الاستقرار في النقل الثقافي فأنّه كان من المعتقد أنّ هذا الاستقرار الملحوظ في التركيز المكاني للجريمة قد تم الحفاظ عليه من خلال أنظمة القيم القائمة على البيئة، والتي تتبنى السلوك الإجرامي، وتم دمج هذه الفكرة في النهاية كبعد انتقال ثقافي للنظرية البيئية، ويقترح أنّ الثقافات الفرعية المنحرفة تعمل كمضيف لنظام القيم غير التقليدية، وهي مسؤولة عن نشره عبر الأجيال، وعلاوة على ذلك يُزعم أنّ الظروف الهيكلية تقوض آليات الرقابة الاجتماعية مما يسمح بانتشار الثقافات الفرعية داخل الأحياء.

 

النقل الثقافي ونظرية الارتباط التفاضلي في علم الجريمة

 

تم تطوير نظريات التفاعل الاجتماعي على المستوى الفردي أيضًا في منتصف القرن العشرين بهدف واضح يتمثل في شرح الجوانب الرمزية الكامنة وراء السلوك غير القانوني بالإضافة إلى استمراره المكاني، وإنّ النهج الفكري على المستوى الفردي والذي يتوافق إلى حد ما مع الموقف البيئي للانتقال الثقافي الذي نشأ في مدرسة شيكاغو، وافترض أنّ حافز الانحراف قد تم إنتاجه بالتفاعل مع الآخرين، فينص هذا النموذج بإيجاز على ما هو معروف باسم نظرية الارتباط التفاضلي، وهي على أنّ زيادة التعرض للأشخاص الذين يحملون قيمًا تدعم انتهاك القانون يزيد من احتمالات الانخراط في هذا السلوك.

 

تتضمن مقترحات النظرية كلاً من محتوى ما تم تعلمه وكذلك العملية التي يتم من خلالها ذلك، والأكثر صلة بنظرية الثقافة الفرعية ولا سيما فكرة الانتقال الثقافي، وهي الفكرة القائلة بأنّ التعرض لتعريفات مواتية أو غير مواتية لانتهاك القانون يشكل محتوى المعرفة المكتسبة في التفاعل، والتعريفات هي في جوهرها أفكار تتعلق بالسلوك المناسب، ويتعرض المرء للتعريفات التي تفضل انتهاك القانون في نفس السياق، حيث يتعرض هو أو هي للتعريفات المتعلقة بمدى ملاءمة الإجراءات التقليدية.

 

في غياب التفاعل الاجتماعي المستمر من المحتمل التعرض للتعريفات لصالح العنف، وبالتالي من المرجح أن يستمر انتقال الثقافة الفرعية، ومع ذلك هناك تحذير واحد لهذا الموقف، وهي إنّه يترك مساحة صغيرة في العملية للوكالة أي القرار الواعي من قبل الممثل لإشراك التعريفات.