قام المؤرخين بتحديد العصور الوسطى المبكرة بأنها العصور الوسطى في التاريخ الأوروبي، وكما كان يطلق عليها بالعصور المظلمة، وقد استمرت تلك الفترة منذ القرن الخامس ميلادي وحتى القرن العاشر ميلادي، ويتم استخدام مصطلح العصور الوسطى المبكرة على التطورات التي حدث في العصور الوسطى في أوروبا.

العصور الوسطى المبكرة:

بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية، تغيّرت التركيبة السكانية والسياسية في أوروبا الغربية، وقد كثرت الهجرات الخارجية في تلك الفترة والتي كان يطلق عليه اسم الغزوات، والتي كانت عبارة عن هجرة شعوب نحو الإمبراطورية، أو حملات عسكرية، وقد لاقت تلك الهجرات رفضاً تاماً من الشعب الرومي، والذين قاموا بإنفاق ما لديهم من مال، من أجل دعم الجيش ومن أجل توقيف الهجرات.


وقد كان القادة العسكرية في القرن الخامس ميلادي، أمثال “ستيليكو، وأسبار، غوندوباد، ريسمير”، والذين كانوا معظم أصولهم ليست رومية، يحكمون القياصرة، وعندما انهارت الدولة بقي هذا النظام بقي ساري في الدولة؛ ممّا أدى إلى امتزاج الثقافة الرومانية، بعادات وتقاليد الشعوب المهاجرة، وظهور سياسيات جديدة، وكان يشمل ذلك المجالس الشعبية، والتي عملت على تمكين أفراد الشعب الأحرار، من الخوض في موضوعات سياسية بشكل أكبر، عمّا كان عليه في الإمبراطورية الرومانية.


حيث كانوا يستخدمون نفس الأدوات وقد قلت الضرائب في ذلك الوقت، وقد تخلَّت الكثير من الكيانات السياسية عن دعم شيوخها بواسطة الضرائب، وتم استبدالها بمنح الأراضي والإيجارات، حيث أنها لم تكن بحاجة كبيرة للضرائب؛ ممّا أدى ذلك إلى التآكل النظام الضريبي في الدولة الرومانية، كما انتشرت الحروب الداخلية في الممالك الرومانية، وقلت العبودية في ذلك التاريخ، نتيجة انخفاض الإمدادات وأصبحت المجتمعات في أوروبا ريفية.


كما انتشرت نقود معدنية، تعود إلى تاريخ مملكة القوط الشرقيين، وكان يتم النقش عليها صورة “ثيودوريك العظيم”، وقد كانت حكومة روما تعاني من فراغ سياسي، وعندما حدثت الهجرات إليها، في القرن الخامس والسادس ميلادي، تم تعبئة ذلك الفراغ من قِبل القبائل المهاجرة.


وقد استوطن القوط الشرقيين في إيطاليا في أواخر القرن الخامس ميلادي، والذين كانوا تحت حكم ثيودوريك العظيم، والذي عمل على إقامة مملكة، مكونة من القوط والطليان، والتي بقيت مستمرة بعد وفاته، قام البرجنديون، بالاستيطان في بلاد الغال، وذلك بعد دمار حكوماتهم على يد الهون في عام 436 ميلادي، وقد قاموا في عام 436 ميلادي بإنشاء مملكة جديدة لهم، وذلك في المنطقة الواقعة بما يعرف اليوم بجنيف وليون.


وقد أقام الفرنجة والبيزنطيين، كيانات سياسية صغيرة في شمال الغال، وقد تمركزت مملكة الفرنجة في شمال شرق الغال، تحت حكم أول ملوكها “شيلدريك”، وقد توسعت مملكة الفرنجة، واعتنق شعبها الديانة المسيحية، أما البيزنطيين فقد استوطنوا “بريتاني، كما نشأت ممالك أخرى في أوروبا، مثل مملكة القوط الغربيين في شبه الجزيرة الإيبيرية، المملكة الوندالية في شمال أفريقيا وجزر البحر المتوسط، وقد استقرت شعوب اللومبارد في شمال إيطاليا.


وفي القرن السادس ميلادي، فكانت بديلة عن مملكة القوط، وعملوا على إقامة مملكتهم الخاصة، وفي نهاية القرن السادس تم إعادة تشكيل تلك المجموعات إلى نظام ملكي، وقد جلبت الغزوات والهجرات مجموعات عرقية جديدة إلى أوروبا، وقد اختلف توزيعهم من منطقة إلى أخرى، ففي الغال استقر المهاجرون في الجزء الشمالي أكثر من الجزء الجنوبي، وقد صاحب ذلك الاستيطان إلى تغير في اللغات، فاللغة اللاتينية للدولة الرومية الغربية، قد تم استبدالها بعِدَّة لغات مختلفة، وقد عرفت تلك اللغات باللغات الرومانسية، وقد استغرق ذلك التحول في اللغات إلى عدة قرون. أما في أوروبا الشرقية، فقد استمرت اللغة اليونانية ولغة الإمبراطورية البيزنطية.

توحيد الإمبراطورية في القرون الوسطى المبكرة:

عندما قام ملك القوط الشرقيين “ثيودوريك العظيم” بإزاحة أودواكر من الحكم، كان هو الأمل الوحيد للإمبراطورية من أجل إعادة توحيدها، وقد كان زينون هو من قام بإرسال ثيودريك للتعامل مع أودواكر، بينما وقتها كان ثيودريك، تابعاً ووالياً للإمبراطور الشرق، وبعد وفاة ثيودوريك في عام 526 ميلادي، وقد حصل وقتها اختلاف بين الشرق والغرب، حيث كانت القبائل الغازية الخارجية تسيطر على مناطق الغرب، أما الشرق فقد كانت أصبحت يونانية، وقد قامت الشرق بعدة محاولات لإعادة الغرب ولكنهم لم يستطيعوا.


وقد سمح الإمبراطور جوليان للفرنكيين بعبور نهر الراين والاستقرار على حدود الإمبراطورية الرومانية، وحينها بدأ الانحلال والتدهور في الإمبراطورية الرومانية الغربية، وفي القرن الخامس الميلادي، توغل الفرنكيين في أراضي الإمبراطورية، كما قاموا باستعمار الأجزاء الشمالية من غاليا، وقد وصلوا إلى شمال مدينة باريس الرومانية.