استخدم علماء الاجتماع المنهج العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية؛ لما له من أهمية في تحليل الافتراضات الأساسية لطبيعة الظواهر الاجتماعية والآراء المتباينة في تعريف الظاهرة وتفسيرها وأسبابها.

 

استخدام المنهج العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية

 

قد يبدو هذا الاهتمام بدراسة الظواهر الاجتماعية مزعجًا أو حتى صرفًا للانتباه عن العمل الحقيقي لدراسة المشكلات الاجتماعية، ومع ذلك فهي مبنية على واحدة من نقاط البداية للنهج العلمي الاجتماعي، وهي إنه من أجل دراسة المجتمع يجب أن يتم الابتعاد عن ما يعرفه الجميع بالفعل عنه، فهناك حاجة إلى أن يكون الجميع غرباء في عالم مألوف، والسمة المميزة للغريب هي إنه لا يعرف تلك الأشياء التي يتم أخذها كأمر مسلم به، والغرباء يحتاجون إلى ما هو واضح ليتم شرحه لهم، وعند القيام بستخدام المنهج العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية في العلوم الاجتماعية إذن هناك حاجة إلى التراجع عما يعرفه الجميع بالفعل أو يؤمنون به وأن يبتعدو عنه، أو الشك في تلك الأشياء التي يعرفها الجميع.

 

وعند العودة إلى قائمة الظواهر الاجتماعية الحالية في المجتمع يتم ألقاء نظرة أكثر تفصيلاً على قضية استخدام المنهج العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية، فما الذي يعرفه الجميع عن الظواهر الاجتماعية في المجتمع، وقد رأى علماء الاجتماع كل هذه التصريحات، كل واحد منهم أُعلن بحقيقة اليقين، وتبين أن ما يعرفه الجميع مفرط في التبسيط والتعقيد والتناقض في نفس الوقت، وكل بيان يبني الظاهرة الاجتماعية بطريقة مختلفة وينطوي على أنواع مختلفة من الأسباب، وإحدى المساهمات التي من المتوقع أن يقدمها علماء الاجتماع هي القول حسنًا قد يكون هذا ما تعتقده، لكن الحقائق الحقيقية هي هذه ومع ذلك فهي ليست بهذه السهولة.

 

وأحد أسباب ذلك هو أن تعريف الظاهرة الاجتماعية في حد ذاته مسألة متنازع عليها، فهل يعني ذلك نقصًا مطلقًا في الموارد أم ينبغي قياسه نسبيًا لمعايير مجتمع معين، فحتى لو أمكن التوصل إلى اتفاق بشأن التعريف، فإن هذا لا يزال يترك مسألة كيفية تفسير أو تحليل تلك الحقائق مفتوحة، وتتمثل نقطة البداية البديلة في دراسة كيفية تكوين الظاهرة اجتماعيًا كمشكلة لفحص ما يعرفه الجميع، جنبًا إلى جنب مع التعريفات العامة والسياسية والمتعلقة بالسياسة للمشكلة وفصل الهياكل التي يتم إيجادها، وهذا يعني أن استخدام المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية يتضمن ما يمكن أن يسمى الشك المنهجي أي إبعاد المرء عن مفاهيم الفطرة السليمة.

 

السمات الرئيسية للظواهر الاجتماعية من خلال استخدام المنهج العلمي

 

ويرى علماء الاجتماع أن بالعودة إلى قائمة بياناتهم حول الظواهر الاجتماعية يرون ما إذا كان بإمكانهم تحديد بعض السمات الرئيسية لكيفية تكوين الظاهرة اجتماعياً في المجتمع اليوم من خلال المنهج العلمي ويمكن ذكر هذه السمات كما يلي:

 

1- الميزة الأولى اللافتة للنظر هي أن هناك تعاريف متضاربة حول ما إذا كانت الظاهرة الاجتماعية تمثل مشكلة اجتماعية حالية أم لا، وأولئك الذين يرون أن هذا التعريف يعني نقصًا مطلقًا في الموارد لا يمكنهم رؤية أي ظاهرة اجتماعية ببساطة غير موجودة في المجتمع، على الرغم من إنه قد تكون موجودتاً في أجزاء أخرى من العالم، وهذا الرأي يعترض عليه أولئك الذين يعرّفون الظاهرة الاجتماعية بمصطلحات نسبية ويجادلون بأن الظواهر الاجتماعية قد زادت في الواقع فهي بالنسبة لهم مشكلة اجتماعية متنامية.

 

ويشير هذا إلى أن الظاهرة ليست مجرد مسألة تعريف أكاديمي ولكنها في قلب الفهم الاجتماعي المتضارب حول ما إذا كان الناس يدركونها حقًا أو حقيقةً، وإذا أُعتقد أنهم ليسوا كذلك فلا توجد ظاهرة اجتماعية اجتماعية تتطلب الاهتمام أو أي استجابة اجتماعية، وهذا هو الانقسام الأول والأبسط في الجدل المنطقي والسياسي حول الظاهرة الاجتماعية هل هي مشكلة اجتماعية أم لا؟

 

2- الميزة الثانية اللافتة للنظر في عبارات الجميع يعرف أنها تثير آراء متباينة على نطاق واسع عن الظاهرة الاجتماعية وأسباب الظاهرة، وهذه الفطرة السليمة حول الظاهرة متناقضة، وينظر بعض الناس إلى الأسباب الخارجية و​​الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تجعل بعض الظواهر الاجتماعية كمشكلة اجتماعية، وينظر آخرون إلى الأسباب الداخلية و​​المواقف أو السلوكيات أو الأخلاق التي تقود بعض الناس إلى جعل ظاهرة معينه مشكلة اجتماعية.

 

وما هو ملحوظ هو إنه حتى العبارات الموجزة تحمل مجموعة من الافتراضات غير المعلنة حول طبيعة المجتمع وطبيعة استخدام المنهج العلمي في دراسة الظواهر الاجتماعية، ويخبر علماء الاجتماع عن هذه الافتراضات على النحو التالي:

 

أ- الناس تعيش في مجتمع من الفرص للجميع.

 

ب- لا توجد ظروف خارجية تجبر الناس على أي شيء.

 

ج- إذا كان الناس مجبرون على وضع معين، فهذا شيء يتعلق بالخيارات التي يتخذونها.

 

د- لذلك فإن الظاهرة الاجتماعية هي نتيجة اتخاذ الناس خيارات سيئة في كيفية عيشهم وعملهم، وما إلى ذلك.

 

3- الميزة الثالثة هي عبارة قصيرة من خمس كلمات تحتوي على سلسلة من الافتراضات التي تضيف ما يصل إلى نظرية المجتمع ومجتمع الفرصة، ونظرية السلوك البشري وما يختار الناس وشرح للظاهرة الاجتماعية وبعض ما يتخذه الناس من خيارات سيئة، كما تشير أيضًا إلى الكيفية التي يجب أن يضع بها بقية المجتمع نفسه فيما يتعلق بأن ما يتخذه الناس من خيارات سيئة ليست مسؤولية الظروف المختلفة، ولا يوجد أي شيء يمكن فعله حيال ذلك باستثناء ربما تثقيفهم لاتخاذ خيارات أفضل، ويمكن تقييم كل من العبارات أعلاه بهذه الطريقة.

 

استخدام المنهج العلمي في فحص محتوى افتراضات الظواهر الاجتماعية

 

ويرى علماء الاجتماع أن بستخدام المنهج العلمي للظواهر الاجتماعية يمكن استكشاف الافتراضات حول المجتمع والسلوك والظاهرة الاجتماعية التي تقوم عليها، كما يمكن تطبيق نفس المنهج العلمي للظواهر الاجتماعية على تصريحات حول المشاكل الاجتماعية، كما ويصرح علماء الاجتماع أن أحد الأشياء التي يمكن للمنهج العلمي في العلوم الاجتماعية القيام بها من خلال دراسة الظواهر الاجتماعية هو فحص محتوى الافتراضات التي تستند إليها الظواهر الاجتماعية، وذلك من خلال ألقاء نظرة إضافية على أنواع الافتراضات والتفسيرات التي تم وضعها للعمل في مختلف وجهات النظر المنطقية للظواهر الاجتماعية.

 

ومع ذلك يريدون الآن أن يحددوا بعض الميزات لأنواع الافتراضات والتفسيرات لهذه الآراء، ويمكن ذكرها على النحو التالي:

 

1- التصريحات حول الظواهر الاجتماعية ليست مجرد أفكار عشوائية أو منبوذة يعبر عنها الناس بدافع من اللحظة، بل إنها ادعاءات اجتماعية.

 

2- كل واحدة منها تعني أن الناس تتشارك جميعًا بالافتراضات الواردة في العبارات على الرغم من أن الافتراضات مختلفة بشكل عميق وحتى متناقضة.

 

3- يستخدم علماء الاجتماع المنهج العلمي لوصف مثل هذه العبارات الخاصة بما يعرفه الجميع.

 

4- يوجه المنهج العلمي انتباه علماء الاجتماع إلى النظريات الأساسية ووجهات النظر والافتراضات التي يتم حشدها من خلال البيانات والادعاءات البسيطة.

 

5- يمكن اعتبار مخزون المجتمع عن الظواهر الاجتماعية مستودعًا أو مخزنًا من أجزاء المعرفة التي يمكن للناس الاعتماد عليها في مناقشة المجتمع ومشاكله.

 

6- إن إحدى مهام المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية هي إجراء جرد لهذا المستودع لفهرسة أجزاء وقطع المعرفة التي يمكن للناس الاستفادة منها إذا أرادوا، على سبيل المثال العودة إلى مسألة ظاهرة الأزمة الأخلاقية، قد يحتاج علماء الاجتماع إلى تصنيف وجهات نظر حول عدم مسؤولية الرجال، والضغوط المتغيرة على الحياة الأسرية، وأسباب التغيرات في الطلاق والزواج، وما إذا كانت نفس أنواع التفسيرات تنطبق على النساء الأرامل والمنفصلات وغير المتزوجات، وكذلك الآباء الوحيدون، وسيحتاجون إلى تقييم العناصر المحتملة الأخرى للظواهر الاجتماعية المتوفرة عند المناقشة.