بدأ العديد من العلماء المعاصرين في دراسة العدالة الجنائية باستخدام مفاهيم أكثر حداثة لنظرية النظم والبناء الاجتماعي ونظرية فوكو والنظرية النسوية والحداثة المتأخرة، وإيجاد علاقة واضحة وجلية بينها وبين علم الجريمة، ويبدو أنّ الوقت مناسبًا للباحثين في هذا المجال للبدء في وضع قيمة أعلى لتطوير بنية تحتية نظرية حول العدالة الجنائية، فما هي نظريات العدالة الجنائية؟ وهل يعد التكامل النظري والتطبيقي لهذا المجال منفصلًا أو مترابطًا لفهم السلوك الإجرامي داخل المجتمعات.

 

العدالة الجنائية

 

من الغريب أنّ قلة من الأكاديميين في دراسات العدالة الجنائية لديهم إجابة واضحة، وعلى الرغم من العدد الكبير من البرامج الأكاديمية والأعمال المكرسة لدراسة العدالة الجنائية، إلّا أنّ المجال لم يطرح هذا السؤال الأساسي ناهيك عن الإجابة عليه، فبالنظر إلى أنّ البنية التحتية النظرية هي الجوهر الفكري والمفاهيمي لأي مجال مشروع من مجالات الدراسة، فقد فات الوقت لبدء التعرف على أساس نظري وتطويره يهدف صراحة إلى جعل المعنى النظري للعدالة الجنائية.

 

ليس الأمر أنّ علماء دراسات علم الجريمة والعدالة الجنائية ليسوا من ذوي الخبرة بالنظرية ونشاط التنظير، فجمع الباحثون في هذا المجال مجموعة رائعة من العمل النظري، ومع ذلك فإنّ تركيز هذا العمل قد ركز في الغالب على الإجابة عن سبب الجريمة وشرح معدلات الجريمة، وعندما يستخدم مصطلح النظرية في هذا المجال فإنّه يشير عادة إلى نظرية الجريمة.

 

العلاقة بين العدالة الجنائية والجريمة

 

الافتراض الأساسي في هذا المجال هو أنّ علم الجريمة يهتم أكثر بتفسير سبب الجريمة، وبالتالي فهو بطبيعته أكثر توجهاً نظريًا، ويترتب على ذلك إذن أنّ دراسة العدالة الجنائية هي بالضرورة مسعى قائم على السياسة أكثر اهتمامًا بتأثير مبادرات عملية لمكافحة الجريمة كما هو مستمد من نظريات الجريمة، وإنّ دراسة العدالة الجنائية تنحصر ضمنيًا في الدور المحدود المتمثل في تمييز كيف وما الذي يصلح، كأهداف جديرة بالثناء ولكنها غير مكتملة بقدر فهم طبيعة رد فعلنا الرسمي على الجريمة.

 

يعتبر ترسيم دانتزكر في عام 1998 بين علم الإجرام والعدالة الجنائية نموذجيًا، حيث وجد أنّ علم الجريمة هو الدراسة العلمية للجريمة كظاهرة اجتماعية، أي التطبيق النظري الذي يتضمن دراسة طبيعة ومدى السلوك الإجرامي، والعدالة الجنائية هي الدراسة التطبيقية والعلمية للتطبيقات العملية للسلوك الإجرامي، أي إجراءات وسياسات ووظائف الوكالات داخل نظام العدالة الجنائية المكلفة بمعالجة هذا السلوك.

 

الفرق بين علم الجريمة والعدالة الجنائية

 

إن دراسات علم الجريمة والعدالة الجنائية تقلل من تكاملها النظري مع هذا المفهوم، ومن المؤكد أنّ دراسة العدالة الجنائية من قبل كل من علماء الجريمة والعدالة الجنائية قد تضمنت أكثر بكثير من مجرد وصف عملها واستنباط وسائل لمكافحة الجريمة، ولا يوجد سبب يمنع من تناول دراسة العدالة الجنائية بنفس الطريقة التي ينظر بها دانتزكر إلى دراسة الجريمة.

 

قد يستثني بعض المنظرين الإجراميين التقليديين هذا الرأي، وبعد كل شيء قد يجادلون بأنّ نظرية الجريمة قد استخدمت بالفعل كمواد أساسية لتطوير نماذج لعمل العدالة الجنائية، ويأخذ هذا النهج لفهم العدالة الجنائية نظريات الجريمة التقليدية حيث يستنتج نموذجًا لعمل العدالة الجنائية بناءً على هذا المفهوم المحدد لسبب الجريمة، وعلى الرغم من أنّ نمذجة عمل العدالة الجنائية تلقي ضوءً نظريًا مهمًا على النظام، إلّا أنّ المشاركين في النشاط يعترفون بأنّ هذه النماذج لا تشكل تطورًا للنظرية، ‘إلى جانب ذلك فقد يعزز هذا التمرين أيضًا فكرة أنّه لا يمكن أن يكون هناك أساس نظري آخر لفهم سلوك العدالة الجنائية إلى جانب تلك النظريات الموجودة مسبقًا والمصممة لإضفاء معنى نظري على الجريمة.

 

وقد يستثنى هذا المنظرين الناقدين أيضًا، حيث إن علم الإجرام النقدي لديه مجموعة غنية من الأعمال التي تنظّر سلوك الدولة والجهاز القانوني والاتجاهات في الرقابة الاجتماعية وسياسات مكافحة الجريمة القمعية، وفي الواقع مقارنة بتحليلهم لسلوك العدالة الجنائية، فإنّ تفسير خرق القانون كان مسعى ثانويًا، وهذا هو أحد أسباب ظهور الدراسات النقدية غالبًا في غير محلها وفي معظم كتب النظرية الإجرامية التي يكون موضوع دراستها جهاز قمعي لمكافحة الجريمة، حيث لا يتوافق جيدًا مع النظريات التي تركز فقط على السببية الإجرامية.

 

حتى عندما يستكشف علماء الجريمة الناقدون أسباب الجريمة فإنّهم غالبًا ما يركزون على السمات القمعية، وذلك لكيفية تعريف الدولة بشكل مختلف للأفعال على أنّها جريمة بين الفئات المهمشة (مرة أخرى مع التركيز على سلوك الدولة)، وبهذه الطريقة فإنّ علم الجريمة الناقد منخرط في تنظير العدالة الجنائية أكثر من الجريمة.