البيت العباسي:

يرجع أصل البيت العباسي إلى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بقي عقبه من كثير من أولاده، ولكن العدد الأكبر والجمهور العظيم كان من ولديه عباس وأبي طالب، فقد ملأ بنوهما السهول من الأقاليم الإسلامية من أقصى حجر من بلاد المغرب إلى بلاد ما وراء النهر في أواسط آسيا.‏ ولكل من البيتين تاريخ جليل بين تاريخ الأمم الإسلامية. ونحن الآن شارعون في تاريخ البيت الأول.

العباس بن عبد المطلب:

أمه نتيلة بنت جناب بن كليب من النمر بن قاسط إحدى قبائل ربيعة بن نزار، أنشأ قبل أحداث الفيل بثلاث سنين، فهو أسن من رسول الله بثلاث سنين. كان العباس من سادات بني هاشم وعقلائهم وكان صديقاً وفياً لأبي سفيان صخر بن حرب. ولما جاء الإسلام كان من المخلصين لرسول الله وإن لم يظهر متابعته.

وكان هو الذي تولى إحكام الأمر لرسول اللّه مع الأنصار حين الهجرة، فقد قال لهم في ليلة البيعة: (يا معشر الخزرج إنكم قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتهوه إليه وحمد من أعز الناس في عشيرته يمنعه والله من كان منا على قوله، ومن لم يكن منا على قوله منعة للحسب والشرف وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم عن قوس واحدة فارتأوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع فإن أحسن الحديث أصدقه).

ولمّا ذهبت قريش إلى بدر طردوا العباس وبنو أخيه إليها كرهاً. ولذلك قال النبي لأصحابه يوم بدر: (من لقي منكم العباس وطالباً وعقيلاً ونوفل وأبا سفيان فلا تقتلوهم فإنهم أخرجوا مكرهين). وكان العباس في جملة أسرى بدر ففدى نفسه وفدى عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، ثم رجع وأقام بمكة.

وكان مقامه بها أنه كان لا يخفي على رسول الله خبراً يكون إلا وبعث إليه، وكان من هناك من المؤمنين يشتد عزمهم به ويصيرون إليه، ‏ وكان لهم دعماً على إسلامهم. ولقد كان يطلب أنّ يقدم على النبي، فكتب إليه عليه السلام (إنَّ مقامكم يجاهد حسن). فأقام بأمر رسول الله، وهاجر إلى المدينة قبيل الفتح وحضر معه فتح مكة. وكان سبباً في نجاة أبي سفيان وفي تشريفه بقول رسول الله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن). وحضر غزوة حنين وكان له فيها أحسن بلاء ثم خرج إلى المدينة فأقام بها.

وكان رسول اللّه يحبه ويكرمه وعلى ذلك جرى الخلفاء من بعده، وكانت وفاته في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رجب سنة (32 هجري)، وهو ابن ثمان وثمانين سنة ودفن بالبقيع.

وأعقب من الولد الفضل وهو كبير أولاده وبه كان يُكنى وعبد الله وعبيد لله وعبد الرحمن وقثم ومعبد وأم حبيبة، وأمهم جميعاً لبابة بنت الحارث بن حزن من بني هلال بن عامر من قيس عيلان، وفي ولد أم الفضل هؤلاء من العباس يقول عبد اللّه بن يزيد الهلالي: (ما ولدت نجية من فحل بجبل نعلمه أو سهل كستة من بطن أم الفضل أكرم بها من كهلة وكهل).

وكان للعباس من غيرها (كثير بن العباس وتام وصفية وأميمة)، وأمهم أم ولد، والحارث وأمه حميلة بنت جندب من هذيل. وليس للفضل وعبد الرحمن وقثم وكثير وتمام عقب. عقب العباس من سواهم، ولا سيما من عبد الله فإنه هو الذي انتشر منه عقب العباس؛ وهو جد الخلفاء العباسيين.

عبد اللّه بن العباس:

هو ثاني أبناء العباس بن عبد المطلب. ولِدَ قبل الهجرة بسنتين، فكانت سنه حين توفي رسول الله ثلاث عشرة سنة. وكان عليه السلام يحبه ودعا له فقال: (اللهم علمه التأويل). فكان رضي الله عنه، أعلم الناس بآيات القرآن وتأويلها، والفقه في الدين على ما أوتيه من لسان طلق ذلق غواص على موضع الحجة.

وكان عمر رضي الله عنه يميزه عن كل الناس ويدخله مع كبار الصحابة في مجلس شوراه الخاص، ويستفتيه في كثير من المسائل على صغر سنه. وولاه عثمان الموسم سنة (35) من الهجرة وهو محصور فأقام الموسم. ولمّا بويع علي رضي اللّه عنه بالخلافة كان له عضداً ونصيراً في حروبه كلها، وولّاه البصرة وأعمالها، ويقال إنه انحرف عنه أواخر أيامه وترك البصرة ورحل إلى مكة فأقام بالطائف، وقيل إن ذلك كان بعد مقتل علي.

ظل ابن عباس مقيماً في الطائف حياة معاوية كلها وكان معاوية يجله ويتودد إليه كثيراً، كما كان يفعل مع سائر بني هاشم، وكانت وفاته سنة (38 هجري). وعبد الله هو الذي نما من نسله البيت العباسي لأن إخوته لم يكن لهم نسل باق وعقب عبد الله الذي نما، إنما هو من ولده علي بن عبد الله بن العباس.

علي بن عبد اللّه بن العباس:

أمه زرعة بنت مشرح بن معد يكرب من كندة. أنشأ يوم قتل علي بن طالب سنة (‎(40‏ من الهجرة. فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن،‏ وهو أصغر أولاد أبيه وكان سيداً شريفاً بليغاً ويُقال كان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمهم وأكثرهم صلاة، وكان مفرطاً في الطول إذا طاف فكأنما الناس حوله مشاة وهو راكب من طوله. وقد أقطعه بنو أمية قرية اسمها الحميمة بالشراة (وهي صقع بالشام في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشوبك وهو من إقليم البلقاء)، فأقام بها وفيها ولد أكثر أولاده، وكانت وفاته سنة (117 هجري).

وله من الأبناء على اثنين وعشرين ولداً ذكراً وإحدى عشرة أنثى، وذكور أولاده هم محمد وداود وعيسى وسليمان وصالح وأحمد وبشر ومبشر وإسماعيل وعبد الصمد وعبد الله الأكبر وعبيد الله وعبد الملك وعثمان وعبد الرحمن وعبد الله الأصغر ويحيى وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الأصغر وعبد الله الأوسط. ستة منهم لا عقب لهم والباقون أعقبوا كثيراً. ومنهم انتشر البيت العباسي وكثر جداً وبيت الخلافة في محمد أكبر أولاده.

محمد بن علي:

هو أب لإبراهيم الإمام وأبي العباس السفاح وأبو جعفر المنصور الذين هم مبدأ الخلافة العباسية، وهو الذي ابتدأت الدعوة على يديه، وكان ذلك في حياة أبيه علي، ولكن لم يكن لأبيه ذكر في هذه الدعوة.