ملوك الأسرة الثالثة عشرة للفراعنة وآثارهم:

 

لا يمكن أن يكون قد امتد حكم ملوك هذه الأسرة عن (55) عاماً؛ لأنَّ مُدة حكم الأسرتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة لم يكن يزيد عن قرن ونصف كما سنرى، وإنَّ المدة التي تفصل الأسرة الثانية عشرة عن الأسرة الثامنة عشرة لم تزد على قرنين من الزمان، بينما نرى أنَّ المؤرخ المصري مانيتون قد ذكر أنها تزيد عن خمسة عشر قرناً.

 

وقد تعرض مانيتون للصعوبة التي واجهوها الآن. فقد كانت أمامه قوائم كبيرة لعائلات مختلفة في مختلف أرجاء مصر، وكان كل منها يُدعى الملك وأنه حاكم الشمال والجنوب،‏ فاعتبر مانيتون أنَّ كل بيت من هذه البيوت حكم البلاد كلها ثم تلته البيوت الأخرى. بينما الواقع أنها كانت تحكم في وقت واحد عندما كانت مصر مفككة الأوصال. كان هناك بيت قوي في طيبة وكان هناك بيت آخر في مدينة  قفط وبيت وثالث في أسيوط وبيت رابع في شرق الدلتا وبيت وخامس في غربها.

 

وكان سلطة بعض هذه البيوت يزداد حيناً ويتقلص حيناً آخر، ولكن أهمها جميعاً هو ما نسميه الأسرة الثالثة عشرة وهو البيت المالك الذي حكم على الأرجح في منطقة منف في الشمال وخلف آثاراً كثيرة في طيبة، وفي أماكن كثيرة في البلاد، والذي ظهر من حكامه بعض ملوك امتد نفوذهم جنوباً إلى بلاد النوبة وشمالاً إلى لبنان. وأول ملك معروف لنا هو (سخم – رع – خو – تاوي)، الذي تُسمى أيضاً باسم (أمنمحات، سوبك، حوتب)‏.

 

ويريد بعض المؤرخين أنّ ينسب إليه أنه تزوج من الملكة (سوبك نفرو رع)، ولكن يعوزنا الدليل على ذلك. وتلاه على العرش ملك آخر اسمه ‎(سعنغ تاوي سخم كارع)، وقد جاء اسمه في بردية تورين مثل سابقه، وعثر على آثار له في مختلف جهات مصر، ولكن بدأت تسجيلات مقاييس النيل في سمنه وكمه تنقطع في عهده مما يجعلنا نرجح أنَّ بدء عدم استقرار الأمور في النوبة راجع إلى أيامه.

 

ولدينا عشرات من أسماء الملوك الذي عُثر على تماثيل ولوحات لهم في نواحٍ متعددة من مصر في شمالها وجنوبها، ومن بين هؤلاء الملوك واحد يُدعى ‎(خع – سخم – رع، سوبك حوتب)، عثر على أكثر من تمثال له في صان الحجر، وعثر على تمثال له في جزيرة أرقو بين الشلالين الثالث والرابع. ومن الأسماء الظاهرة بين هؤلاء الملوك اسم الملك (سمنخ كارع إميرا مشع)،‏ واسم الملك ‎(خع سخم رع – نفر حوتب)، الذي يقترن اسمه بلوحة عثر عليها في بيبلوس وتمثل أمير ذلك الإقليم واسمه (يوناتان)،‏ جالساً أمام أسمائه مما يدل على امتداد نفوذ مصر إلى بعض مناطق سورية في عهده،‏ وربما كان هذا الملك ممن كانت لهم السيطرة التامة على شرقي الدلتا على الأقل.

 

ولا بد من التركيز إلى ملك آخر وهو (سواج – إن – رع)،‏ الذي جاء ذكر اسمه على لوحة عثر عليها في الكرنك،‏ وعليها صورة عقد يتنازل فيه حاكم إقليم الكاب عن منصبه لأحد أقاربه مقابل (‎(60‏ دبناً
(91 جراماً = دبناً) من الذهب، وهي تشمل ذهباً وحبوباً وثياباً…الخ.

 

أما الملك (نحسي)،‏ فإن ألقابه وصفاته بأنه‏ (حبيب ست رب أواريس)، تجعلنا نرجح أنه كان يرتبط بأيام الهكسوس،‏ الذين كانوا قد استقروا أول حياتهم في شرقي الدلتا منذ منتصف أيام هذه الأسرة. ومن أبرز الأسماء في هذه الأسرة اسم الملك‏ (خنجر)، الذي عثر على هرمه في سقارة القبلية والذي نعرف أيضاً أنه أمر وزيره‏ (عنخو)، ليقوم بإصلاح معبد سنوسرت الأول في أبيدوس محتذياً بما قام به ملك يُسمى ‎(نفر حوتب الأول)، وهو من هذه الأسرة أيضاً، ونعرف من إحدى اللوحات أنه جمع رجال بلاطه وأمرهم بدراسة الكتب القديمة لإعادة تشييد معبد أوزيريس في أبيدوس كما كان وقت إنشائه منذ القدم.

 

وكان ملوك الأسرة الثالثة عشرة،‏ وملوك الأسرة الرابعة عشرة أيضاً، يتم دفنهم في جبانة منف،‏ وقد أشرنا إلى هرم الملك (خنجر)، في سقارة القبلية الذي كشفت عنه حفائر مصلحة الآثار في عام (1929)، وكشفت في الوقت ذاته على مقربة منه عن هرمين آخرين لم يكن قد انتهى العمل في أحدهما، ولم يستطع القائمون بهذا الكشف أن يعرفوا اسمي صاحبيهما.

 

وفى عام (1894)، كشف عن قبر ملك يُسمى (حور – إو إب)،‏ وكان في الناحية الشمالية من هرم أمنمحات الثالث في دهشور داخل السور المُحيط بالهرم، وعثر في هذا المدفن على أشياء ثمينة ومن بينها تمثاله الخشبي الشهير الذي يمثله واقفاً في ناووس من الخشب وقد مثله الفنان عارياً وفوق رأسه علامة الرمح (كا)، وهو الآن في المتحف المصري. وفي عام (1957)، أذيع في الصحف نبأ الكشف عن هرم ملك يُسمى (أميني عامو)، في دهشور، كتبوا اسمه على أواني الأحشاء التي هشمها اللصوص،‏ ‏لكن فحص هذا القبر لم ينته بعد، ومازال هناك أمل كبير في العثور على أشياء أخرى.

 

ولا يوجد أدلة حتى الآن دليل على أنَّ هذا الملك حكم في الأسرة الثالثة عشرة، وربما كان ملكاً في زمن آخر بين هذه الأسرة السادسة عشرة، ولكن مهما كان الأمر فإنّ الكشف عن قبر في هذه المنطقة من الجبانة المنفية وعلى بُعد مئات قليلة من الأمتار من مدفن الملك ‎(حور إو إب)،‏ يعطينا بعض الأمل في أننا سنعرف أيضاً أسماء غيره من ملوك عصر الفترة الثانية، متى تم حفر ذلك العدد الكبير من المرتفعات التي تملأ هذه المنطقة، وتمتد مسافة طويلة على حافة بركة دهشور، وهي كلها إلى الشرق من هرم الملك سنفرو القبلي وإلى الجنوب من هرم أمنمحات الثالث.

 

ومن المهم ذكره أيضاً أنه قد تم العثور على آثار بعض ملوك الأسرة الثالثة عشرة في منطقة الختاعنة في مركز فاقوس ومن بينها هريم من الحجر. ومن الصعب جداً أن يقول أحد إن كانت بعض مقابر ملوك ذلك العهد كانت في شرقي الدلتا حيث عثر على تلك الآثار، أو أنهم جاؤوا بها من منطقة منف لاستخدامها في البناء في عصور تالية.

 

ملوك الأسرة الرابعة عشرة للفراعنة (1594 – 1778 ق.م.):

 

كان مانيتون يتحدث في موضوع أنه بعد انتهاء حكم الأسرة الثالثة عشرة تلاهم ملوك الأسرة الرابعة عشرة، وكان مقر حكمهم في مدينة سخا في غربي الدلتا. وجاء في أقوال مانيتون أنَّ عدد ملوك هذه الأسرة ستة وسبعون ملكاً حكموا مائة وأربعة وثمانين عاماً.

 

وقد ذكرت بردية تورين نحو واحد وعشرين ملكاً منهم، أما ثبت الكرنك فلم يشر إليهم. ومهما كانت قيمة كتابة مانيتون ومهما كثر عدد الملوك الذين جاء ذكرهم في بردية تورين، فمن المرجح أنَّ هذه الأسرة بدأت في الوقت الذي بدأت فيه الأسرة الثالثة عشرة، ولكنها استمرت مدة أطول؛ لأنها كانت بعيدة عن مقر الهكسوس في الشرق. أما آثار ملوك هذه الأسرة إنّ كان ما زال لدينا أمل في العثور على آثار لهم فإنها إما ما زالت كامنة تحت حقول المنطقة، لم تكشف عنها يد حتى الآن، أو أن تكون الأيام قد عفت عليها لكثرة ما تعرضت له بلاد الدلتا من محن على مر السنين.

 

ومهما يكن من أمر، فإنَّ الأسرة الرابعة عشرة كانت لها حكم في منطقة سخا في وقت من الأوقات، بينما كان الشرق من الدلتا خاضعاً للهكسوس الذين بدأت آثارهم تمكث هناك. أما طيبة، وجزء كبير من الصعيد، فقد ظلت تحت نفوذ البيوت الحاكمة هناك.