الملك الفرعوني أمنمحات الأول:

 

‏عمل أمنمحات على وضع حدود بين حكام الأقاليم وجيرانهم. وقبلوا ما فرضه عليهم من أموال وما ألزمهم به من حق الحكومة في الإشراف على الأمور الداخلية في الأقاليم، أما من وقف في صعبة وكانت البلاد في حاجة إلى شخص في مثل كفاءته وجرأته فتم له ما أراد من إعادة الأمن إلى نصابه.

 

‏كان ترتيب الأمور الداخلية أهم الواجبات التي واجهته عند توليه الحكم، وسواء أكان اختيار مكان للعاصمة على مقربة من منف كان من تفكيره هو أو كان في عهد الملك منتوحوتب الرابع (نب تاوي رع)، فإنَّ رأيه استقر على نقل عاصمة الملك إلى الشمال بعد استتباب الأمر له وسمى المكان الجديد الذي بني قصوره ودور حكومته فيه باسم ‎(إثت تاوي)،‏ أي القابضة على الأرضين مشيراً بذلك إلى الشمال والجنوب. ‏وتابع أمنمحات سياسة سلفه في الاهتمام بالجنوب فوصل نفوذ مصر إلى دنقلة، ومن المرجح أنه تأسس في عهده ذلك المركز التجاري في مدينة كرمة في شمالي السودان بعد أنّ شيد حصن سمته جنوبي الشلال الثاني.

 

‏ولم تكن حدود مصر الشرقية أو الغربية أقل حظاً في عنايته بها. فقد وضع ذلك الملك النشيط جداً لغارات البدو من كلا الصحراوين، وبنى سلسلة من التحصينات على حدود الدلتا الشرقية كانت تُسمى باسم حائط الأمير، كما أقام أيضاً سلسلة حصون أخرى على حدود الدلتا الغربية ما زالت بقايا واحد منها قائمة في وادي النطرون، وكان في داخله معبد له بوابة من الجرانيت نقش عليها اسمه.

 

‏لم يكن أمنمحات إلا رجلاً عصامياً من الشعب رفعه ذكاؤه وجده وحسن إدراكه للأمور إلى المكان الذي يستحقه، ولكنه لقي كثيراً من المصاعب، وقامت كثير من القوى الرجعية ضده فكان من بين أساليب رده على خصومه كتابة البردية المعروفة باسم تنبؤات ‎(نفرتي)،‏ (نفر روهو)، المحفوظة الآن في متحف ليننجراد والتي تحدثنا عنها قبل الآن، وهي التي اهتمت في وصف ما سيحل بمصر من فوضى، وأنّ إنقاذها سيتم على يدي، ملك سيأتي من الجنوب يُسمى (أميني)، ابن امرأة من النوبة ويولد في الصعيد.

 

سيهزم الأسيويون أمام مذابحه، ويقع الليبيون أمام هجوماته، وسيبني (حائط الأمير)،‏ ولن يتيسر للأسيويين بعد ذلك النزول إلى مصر، وليس اسم (أميني)،‏ إلا اختصاراً عادياً لاسم أمنمحات، الذي نرى أصله الجنوبي في ملامح وجهه ووجوه أسرته من بعده. ولم يكن المقصود من كتابة تلك البردية إلا الترويج بين الشعب لهذا الحاكم الجديد ومحاولة إقناع الناس بأنّ اختياره لإنقاذ مصر أمر أرادته الآلهة منذ أبعد الأزمنة.

 

وكان أمر جلل أنّ يهتم أمنمحات بطيبة، ذلك البلد الذي نشأ فيه وعاونه على تولى الملك، وكان طبيعياً أيضاً أنّ يهتم بإعلاء مكانة إلهها المحلي‏ (أمون)،‏ وأنّ يقيم له المعابد، ولكن هذا كله لم يمنعه من نقل عاصمة البلاد إلى مقربة من منف وبناء مقره الجديد في المنطقة التي تقع الآن على مقربة من قرية اللشت، وبناء مقره الأبدي على مقربة منها.

 

ولم يقتصر نشاط هذا الملك على طيبة وعلى عاصمته الجديدة بل نرى آثار نشاطه في وجهات كثيرة من مصر، وبقايا معابده منتشرة في سيناء وفي شرقي الدلتا وبخاصة في الختاعنة (مركز فاقوس)، وفي تل بسطه (الزقازيق)، كما نرى بقايا معبد له في مدينة الفيوم (كيمان فارس- كروكوديلوبوليس)، إذ كان أول ملوك تلك الأسرة الذين اهتموا اهتماماً خاصاً بذلك الإقليم لاستصلاح أراضيه والاستفادة من بحيرته.

 

تم ذكر اسمه على كثير من مقابر ولوحات الموظفين الذين عاشوا في عصره، ولكن أكثر ما عثر عليه علماء الآثار كان على مقربة من مجموعته الهرمية في اللشت إذ عاد أمنمحات إلى التقليد القديم الذي كان سائداً في الدولة القديمة من بناء الأهرام لتكون مدافناً للملوك وبناء معبد جنازي إلى الشرق منه، ثم طريق موصل إلى الوادي وتشييد معبد آخر عند بداية ذلك الطريق.

 

وقد تم العثور هناك على كثير من الأحجار المنقوشة من معبديه وعلى كثير من بقايا الأعمدة والتماثيل كما عثروا أيضاً على بعض ودائع الأساس تحت أرضية ركن من الهرم، وبعض أركان المعبد. وكشفت تلك الحفائر أيضاً عن حقيقة هامة وهي أنّ الهرم مشيد بأحجار أخذوا الكثير منها من المعابد أو المقابر الأقدم عهداً، ومن بينها أحجار منقوشة أتوا بها من معابد لبعض ملوك الأسرة الرابعة من الجيزة والأسرة الخامسة من سقارة، كما كشفت أيضاً عن وجود مصاطب كثيرة داخل سور الهرم وخارجه لكبار موظفي الملك وبعض أفراد عائلته.

 

ونشط أمنمحات في استغلال المحاجر والمناجم، وتسهيل التجارة ونجح في سياسته مع أمراء الأقاليم الذي هادن الكثير من بينهم بعد أن اطمأن إلى ولائهم له، ولكنه أبقى لهم على ثرواتهم والجزء الأعظم من نفوذهم في مناطقهم مع اعترافهم بسلطانه عليهم ودفع الضرائب المفروضة عليهم، فكانت أيامه نعمة على كثير من هؤلاء الحكام فبنوا المقابر العظيمة في بلادهم أمثال أمراء بني حسن. ويمكن القول من التوقع من أي شخص في مكان أمنمحات أن يغضب الكثيرين ويبطش بالمناوئين له، ولهذا لا نعجب إذا وجدنا أيامه الأخيرة مليئة ببعض المتاعب، بالرغم من أنَّ البلاد تمتعت بوجه عام بطمأنينة ورخاء لم تعرف لهم مثيلاً منذ الدولة القديمة.

 

قام أمنمحات بالاستيلاء على حكم الملك وقد جاوز سن الشباب الأولى إذ كان قبل ذلك وزيراً، ولهذا عندما أتم عشرين سنة وهو ملك، وبدأت تتقدم به السن أراد الاطمئنان على مصير الملك الذي أنشأه وخاف من أن تعصف به يد الأطماع أو المنافسات بعد موته، فأعلن ابنه سنوسرت شريكاً له في الملك، ولكن النفوذ الأكبر ظل في يد الملك الشيخ وكان يكلف ابنه من آن لآخر بالقيام ببعض الحملات الحربية ليتعرف على بلاده ويوطد نفوذ مصر على حدودها.

 

ولكن الأيام طالت بأمنمحات حتى انتهى حكمه إلى ثلاثين عاماً أي أنه حكم منذ عام (1961 – 1991 ق.م.)، ولم يستطيع أن يموت وهو في شيخوخته وفاة شريفة بل مات مُغتالاً وهو في قصره، إذ انتهز أعداؤه فرصة غياب ابنه وولى عهده وشريكه في الملك سنوسرت في حملة على ليبيا ودبروا مقتله، وربما كان ذلك الاغتيال بسبب التنافس على العرش بين أفراد العائلة نفسها إذا استطاع المتآمرون أنّ يصلوا إليه في مخدعه.

 

وتم المعرفة بعض ملامح عن تلك النهاية من برديتين إحداهما هي بردية شخص يُسمى (سنوهي)،‏ كانت تربطه بالعائلة المالكة رابطة من قرابة، وكان مع سنوسرت في حملته عندما وصل رسول من القصر يحمل نبأ مصرع الملك. فأمر سنوسرت بإخفاء الأمر عن الجيش وعاد في الحال مسرعاً إلى العاصمة. وكان سنوهي على مقربة من خيمة الأمير واستمع إلى ذلك الخبر.

 

ولسنا نعرف ما الذي أفزعه حتى هرب في جنح الظلام وأخذ يسير من بلد إلى آخر حتى استطاع مغافلة الحراس على الحدود الشرقية وهرب إلى فلسطين ومنها إلى لبنان حيث أقام هناك، وأثرى وتزعم إحدى القبائل ثم حن في شيخوخته للعودة إلى مصر ليقضي فيها ما تبقى له من أيام، وقد حقق له الملك سنوسرت الأول رغبته.

 

وفاة الملك أمنمحات الأول ووصيته لابنه:

 

كانت وفاة أمنمحات في اليوم (7) من الشهر (3) في العام الثلاثين من سلطته، في يوم يوافق 15 فبراير سنة (‎1961‏ ق.م.)، عند حسابه بتقويمنا الحالي. أما البردية الأخرى التي تهمنا فهي البردية المعروفة باسم نصائح أمنمحات لابنه، وقد كتبت دون شك بعد موت الملك وكأنها على لسانه من العالم الآخر يتحدث فيها إلى ابنه ويوصيه كيف يسوس الملك ويشرح له كيف قتلوه.

 

وقام أمنمحات بذكر بعد ذلك ما قام به من إخضاع البلاد لسلطانه وتأمين حدودها واعتراف الناس بأفضاله، ويذكر أيضاً شجاعته في الصيد وغزوه لإقليم واوات في النوبة وتأديبه للأسيويين الذين كانوا يغيرون على الدلتا،‏ ولا ينسى ذكر قصره الذي شيده وزينه بالذهب وحلي سقفه بأحجار اللازورد، وكانت أبواب حجراته من النحاس ومصاريع الأبواب من البرونز، ويختم وصاياه بتحية ابنه وتمنيه النجاح له ليتم ما بدأه ويوصيه بعمل الخير وتشييد المعابد الفخمة المتينة.

 

كان العام الثلاثون من سلطة أمنمحات ناجحاً للعام العاشر من حكم ابنه سنوسرت إذا احتسبنا الأعوام العشرة منذ إعلانه ولياً للعهد وشريكاً في الملك بداية حكمه الحقيقي. ولم يصل إلى أيدينا حتى الآن أي وثيقة نعرف منها تفاصيل الأيام الأولى لحكم سنوسرت، لكننا نعرف أنه لم يلق من الصعوبات شيئاً لم يتغلب عليه، واستطاع حقاً أنّ يسير في الطريق الذي رسمه أبوه العظيم.