نظرة عامة في الحياة الاجتماعية الفرعونية:

 

عرفنا الكثير عن حياة المصريين في أيام الدولة القديمة مما خلفوه ورائهم مرسوماً على جدران مقابرهم، وبالرغم من أنَّ الغالبية الكبرى من مقابر الدولة القديمة كانت مبنية بالأحجار، أو من الطوب اللبن في بعض أجزائها، فإن بعضها كان من أيام الأسرة الرابعة يقطع في صخر الجبل ويزينون جدرانها الصخرية بما يشاؤون من نقوش إذا كان نوع الصخر جيداً، ولكن إذا كان نوع الصخر رديئاً يغطون الجدران بطبقة من الملاط الجيد، ويرسمون ويلونون فوق الملاط.

 

‏ومقابر الدولة الوسطى كثيرة العدد،‏ مختلفة الأنواع والأشكال، ولكن أهمها في دراستنا لما طرأ على الحياة الاجتماعية من تطور أو تغيير، هي مقابر أمراء الأقاليم وعائلاتهم وكبار موظفيهم، تلك المقابر التي خلفوها وراءهم في بلادهم وقطعوها في صخر الجبل في أماكن مرتفعة تشرف على المناطق المزروعة.

 

‏كان أمراء الأقاليم يمكثون في أقاليمهم منذ الأسرة السادسة كما ذكرنا، واستمروا في عصر الفترة الأولى،‏ وزاد نفوذهم بعد ذلك. وكان كل واحد منهم يحيط نفسه ببلاط صغير، وله جيش لحماية الإقليم من اعتداء أي إقليم مُجاور ولنشر الأمن والطمأنينة بين السكان. ويكفي أنّ يزور الإنسان بعض مقابر هذا العصر في بني حسن أو في البرشا أو في شطب أو أسيوط أو في الأقصر أو في أسوان ويرى عظمتها، ومدى عنايتهم بنقوشها، ليدرك أنَّ كل واحد من أصحابها كان ملكاً صغيراً في إقليمه.

 

ولا يوجد الدهشة فقط لثرائهم فقد كانت الضرائب كلها تقدم إلى خزائنهم،‏ ثم يقدمون بأنفسهم بعد ذلك إلى الملك ما يكونون قد اتفقوا عليه. وإذا صدقنا ما ذكره هؤلاء الحكام في مقابرهم أو في اللوحات التي خلفوها وراءهم. فإنهم كانوا مهتمين بنشر الأمن في بلادهم وعدم الظلم، وكانوا يعتمدون على جنودهم في حماية الآمنين من الناس من عبث العابثين.

 

‏وما من شك في أنَّ كل حاكم من أولئك الحكام كان يهتم بجنوده ولهذا أكثروا ‏من تدريبهم الجثماني حتى تظل لهم مرونتهم وسرعة حركتهم في القتال. صوروا على جدران المقابر مناظر تمريناتهم وأخصها المصارعة. فنرى مناظرها مفصلة في مقابر كثيرة، وبخاصة في مقابر بني حسن. ولكن المصارعة لم تكن الرياضة الوحيدة التي مارسها الجند، فقد كان هناك أيضاً حمل الأثقال، يملؤون غرارة من الرمل أو التراب ويرفعها كل من المتبارين بيد واحدة إلى ما فوق رأسه، فإذا تمكن كل منهما من ذلك زادوا من كمية الرمل أو التراب حتى يعجز أحدهما.

 

ومن بين النقوش التي على تلك الجدران مناظر المبارزة بالعصي، كما نرى أيضاً لجنود وهم يحملون بعض أدوات القتال وأهمها الأقواس والحراب وفؤوس القتال ومن بينها ذلك الدرع الكبير الشبيه بالخيمة يحمله ثلاثة من الرجال ويتقدمون في حمايته للهجوم على الأعداء أو لمهاجمة سور إحدى القلاع ليحدثوا ثغرة فيه، وذلك بتحريك قضيب ذي نهاية معدنية يحركونه وهم داخل الدرع من ثقب فيحطمون به الأبواب أو يفتحون به ثغرة فى الأسوار، وهم في مأمن من سهام المدافعين عن ذلك الحصن، أي أنَّ تلك الدروع الكبيرة كانت تقوم في ذلك العهد بما تقوم به العربات المصفحة في عصرنا الحاضر.

 

‏ونشاهد أيضاً على تلك الجدران النقوش المألوفة في الحياة اليومية مثل الحفلات الموسيقية المصحوبة برقص الراقصات،‏ ومناظر الصناع والعمال المختلفين، والمناظر الدينية التي نرى فيها الكهنة يقومون ببعض العادات، ونرى الأتباع يحملون الأطعمة والأزهار ليقدموها إلى صاحب القبر. ‏ومن أهم الموضوعات التي أقبلوا على رسمها في مقابر ذلك العهد مناظر الصيد سواء أكان ذلك في الصحراء، حيث نرى الحيوانات الصحراوية المختلفة أو صيد الطيور في الحقول، أو على مقربة من المستنقعات، أو صيد السمك بالطرق المختلفة.

 

‏وفي مقابر الدولة القديمة نشاهد مختلف أنواع السفن الكثيرة مما كان يملكه صاحب القبر للتنقل به على صفحة النيل، أو لنقل المحاصيل المختلفة، والقليل منها تلك السفن التي نعرف أنَّ أصحابها اشتركوا بها في الأعياد التي كانت تقام في بعض العواصم الدينية القديمة مثل بوتو أو نخن. ولكن في مقابر عصر الفترة الأولى والدولة الوسطى نراهم يكثرون من رسم سفن ويكتبون إلى جوارها إنها ذاهبة أو آتية من أبيدوس،‏ إذ أصبحت العادة المتبعة هي نقل مومياء الميت إلى أبيدوس لتزور المعبد أو لتدفن هناك بعض الوقت، في ذلك المكان المقدس للإله أوزيريس.

 

‏وإذا فحصنا تلك المناظر نرى تطوراً واضحاً في أشياء كثيرة، نرى تطوراً في أشكال الملابس، وفى الحلي، وفي الأواني وفي الأدوات المختلفة، إذ نرى فيها اختلافاً عما كانت عليه في الدولة القديمة، كما نرى تطوراً في الفن نفسه وفي المواضيع المحببة إلى الفنانين.

 

الفن في الحياة الفرعونية:

 

على ذكر الفن وتطوره من المحاسن ألا يُنتسى أنَّ الرسم بالألوان فوق الملاط قد تقدم ولكن عمل التماثيل، وبخاصة تماثيل الأشخاص،‏ قد تأخر كثيراً عن مستوى الأسرتين الرابعة والخامسة اللهم إلا في بعض حالات قليلة في تماثيل بعض ملوك الأسرة الثانية عشرة مثل الملك سنوسرت الثالث.

 

لقد أقبل الأفراد من جميع الطبقات على طلب عمل التماثيل فكان الفنانون يصنعونها من جميع الأحجام وفي جميع الأوضاع،‏ دون التقيد بصورة صاحبها. وعندما كان يختار أحد من الناس تمثالاً كان يضيفون اسمه وألقابه. ولم يقتصر ذلك على التماثيل بل كان مُتبعاً أيضاً في التوابيت الخشبية،‏ وبعض اللوحات الجنازية، ولم يكن الفنانون يعملون تماثيل أو توابيت أو لوحات خاصة وعلى نمط معين إلا للأغنياء وكبار الموظفين ومن كانوا أعلى من هؤلاء في مرتبتهم.

 

وتتميز الأسرة الثانية عشرة بما قام بإنتاجه صانعو الحلي وبخاصة لأميرات البيت المالك إذ جمعت تلك الحلي بين الدقة المتناهية في الصناعة والذوق الفني الرفيع، ونرى تلك المجموعات في المتاحف المختلفة وبخاصة في متحفي القاهرة والمتروبوليتان بنيويورك فلا نملك إلا الإعجاب بها وبصناعتها، وقد فحص الكثيرون من الخبراء تلك الحلي وهم يرددون جميعاً رأياً واحداً وهو أنّ الصائغ الحديث، مع ما تيسر له من أدوات ووسائل لا يمكن أنّ يتفوق على الصائغ المصري القديم الذي عاش في أيام الدولة الوسطى أي قبل قرابة أربعة آلاف سنة.