إن من المهام الصعبة هي إعادة بناء الروابط الأسرية المكسورة، ومن المستحيل إصلاح ما تمّ كسره إذا لم يعرف أفراد الأسرة بالضرر والأسباب، ويذكرنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أن: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”، رواه الترمذي، فكم من الآباء لا يستطيعون إن يعيشوا حقًا حياتهم في البيت كما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وأبنائه.

 

طرق إعادة بناء الأسرة في الإسلام

 

في ظل القلق الكبير بشأن كيفية تقديم الوالدين أنفسهم للعالم، والاهتمام كثيرًا بسمعتهم، فقد ضل الكثير من الآباء بعيدًا عن الاحتفاظ بأفضل جزء من ذواتهم لعائلاتهم، بل يجب على الآباء بدلاً من ذلك، أن يكونوا قلقين حول المحافظة على الأسرة وعدم هدمها.

 

يتساءل الكثير من الآباء أحيانًا كيف حدث تفكك الأسرة، كيف فقد هذا الاتصال مع عائلته؟ لا يحدث الانهيار الأسري بين عشية وضحاها، إنها عملية أنانية قد تأتي من أحد الطرفين قادر على كسر الروابط في الحياة الأسرية، وعندما يكون الآباء غارقين في أمان الأبناء سيشعرون بثقة وراحة أكبر في علاقاتهم.

 

إن زرع بذور الخلاف الشخصي في الحياة الأسرية هو من بين أكثر الأشياء التي تمنح الشيطان متعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة”، رواه مسلم، ولا يقترب الشيطان من العائلة دفعة واحدة ولكن بشكل بطيء وعندما يشعر أفراد العائلة بالراحة والرضا والأمان في محيطهم الخاص، قد يبدأ الأمر بزيادة التعلق بالهاتف الخلوي مثلًا، والأسرة بأكملها تكون متصلة فقط بالأدوات والتكنولوجيا وليس ببعضها البعض.

 

ويجب على الآباء والأمهات الاعتزاز بأفراد عائلتهم وفتح قلبهم لهم، والاستمتاع بكل لحظة يقضونها معهم، قد تكون الخطوة التالية في تفكك الأسرة هي الافتقار المتزايد للتواصل، وقد تكون بشكل متباطئ، فيتوقف الوالدان عن التحدث مع بعضهما البعض إلا في أسلوب الصراخ أو الأسوأ من ذلك.

 

قد لا يكون لدى الأطفال أي شيء يرغبون في مشاركته مع الوالدين؛ لأنهم يفضلون مشاركته مع الأصدقاء جراء انعدام طرق التواصل بينهم، وقبل أن يدرك الوالدان ما يحدث، يتوقف البالغون في الأسرة عن التحدث إلى والديهم أو أشقائهم بسبب العبء الذي تمثله علاقات التواصل بينهم، ولم يحدث ذلك بين عشية وضحاها، كما يشعر الوالدين بالصدمة عندما يجدون الفجوة بينهم وبين أبنائهم.

 

إن الله تعالى برحمته اللامحدودة يوفر للوالدين الفرص لتحسين أنفسهم دائمًا وتحسين حياتهم الأسرية، فلا يجب أن يظن الأهل أنهم فاتهم الأوان لإصلاح ما هو مكسور، بل يوجد العديد من الفرص على التقاط القطع والبناء الأسرة مرة أخرى.

 

طرق إعادة بناء الأسرة في الإسلام

 

فيما يلي بعض الخطوات العملية التي يمكن أن تساعد الوالدين في إعادة بناء عائلتهم:

 

1- عدم جعل التكنولوجيا أساس لحياة الأسرة

 

يجب أن يجبر الوالدين أنفسهم على الانفصال عن التكنولوجيا التي تسودها حياتهم، فلا يمكن إقامة اتصالات ذات مغزى مع العائلة إذا كان الوالدين يلجأون دائمًا إلى أجهزتهم وأدواتهم للتواصل مع الآخرين، ويجب الاتفاق بين أفراد الأسرة على مراقبة فترة للتوقف عن التكنولوجيا يوميًا فيجب أن لا يستخدم أي شخص الكمبيوتر المحمول أو الهاتف أو أي جهاز آخر، ويمكن أن يكون فترة ما بعد العشاء أو قبل النوم وقتًا ثمينًا لأفراد الأسرة للتحدث ولعب الألعاب بينهم والصلاة معًا والاستمتاع بصحبة بعضهم البعض.

 

2- التواصل بين أفراد الأسرة

 

يجب تحديد موعد منتظم ووقت للتحدث مع أفراد العائلة، هذا مهم جدًا لرفاهية علاقة الوالدين بأطفالهم، حيث يعلموا أن لديهم دائمًا أحد الوالدين للتحدث معهم، ويحتاج كل فرد في الأسرة ويستحق وقتًا معينًا للتواصل، في الوقت الحاضر يلاحظ ندرة التواصل بين أفراد العائلة؛ مما يجعل الروابط ضعيفة بينهم.

 

3- احترام أفراد الأسرة

 

إن احترم الرفقة والصداقة الحميمة بين الزوج وزوجته وبينه وبين والديه وأطفاله؛ يحدّ من التفكك الأسري ويساهم في بناء وحماية الأسرة، يجب أن يكون الأزواج على نفس المبدأ، وأن يظهروا دائمًا جبهة موحدة ومتعاونة ومحترمة للطرفين في التعامل مع الأطفال وتأديبهم، فلا يجب أن يرى الأطفال آبائهم مقسمين، يجب أن يكون الأزواج مكان للثقة والراحة والطمأنينة والرعاية، إذا لم يتمكن من العثور على ذلك في الأزواج، فلن يتمكنوا من توفير ذلك لأطفالهم.

 

وبالنسبة للآباء والأسر المختلطة، غالبًا ما تكون المهمة أكبر في إقامة الصلة الأسرية، بغض النظر عن الموقف، يبدأ الاحترام في الأسرة باحترام الذات، من السهل أحيانًا الوقوع في فخ تبادل الاتهامات والشعور بأن الوالدين قد قصروا في بعض جوانب الحياة الأسرية للأبناء، فلا يجب الخضوع لمثل هذا حيث يبدأ الاحترام من الداخل ويشع إلى الخارج.

 

4- الدعم الأسري

 

يجب على الآباء وباقي أفراد الأسرة تقديم الدعم العاطفي والجسدي والروحي لبعضهم البعض، وتجنب النقد المتكرر للأطفال أو الأزواج، وإن التذمر لا ينتج عنه أي شيء سوى إيذاء المشاعر وخدش العواطف، يجب البحث أي شيء يقوي روابط المودة والتشجيع والتقدير المتبادلين، وإن الدعم الأسري هو الأساس الذي يقوي ويبني شخصية الطفل في المجتمع.

 

5- الشعور بالمسؤولية في الأسرة

 

يجب تعزيز الشعور بالمسؤولية لدى جميع أفراد الأسرة، بما في ذلك الأطفال والزوجين، ومعرفة الحقوق والواجبات على كل فرد في الأسرة، ويحث الدين الإسلامي على أهمية أن يكون الزوجين صالحين كوالدين، يجب أن يكونوا قدوة لأطفالهم؛ من خلال عدم إهمال مسؤولياتهم تجاه والديهم.

 

6- ترميم العلاقات وإصلاح ما هو مكسور في الأسرة

 

الاعتراف وإصلاح كل المشاكل العائلية، والتواصل بجدية لحل المشاكل العائلية مع الزوجة والأطفال حول سبب الشعور بأن العائلة لا ترتقى إلى مستوى المطلوب، ولا يجب التعامل مع المشاكل على أنه وقت إلقاء اللوم على بعضهم البعض، ولكن وقت للصدق وإعادة الالتزام بما هو واجب على كل فرد في الأسرة، ويجب أن تعمل الأسرة معًا لتحسين العلاقة وتقوية الروابط بين أفرادها، ويجب أن يدرك كل فرد يدرك أهمية الروابط الأسرية وأن الإسلام يحذر

 

من عواقب قطع العلاقات الأسرية، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ، قَالَ سفيان في روايته: يَعْني: قاطِع رحِم”، متفقٌ عَلَيهِ.

 

وأخيرًا يجب وضع في الاعتبار أن الحياة الأسرية هي رحلة طويلة وممتدة بين أفراد العائلة الواحدة، يجب الاعتزاز أفراد العائلة بعضهم ببعض، واستمتاع بكل لحظة يقضونها معًا، لن تكون الحياة الأسرية مثالية أبدًا أذا لم يعرف كل فرد ما هي الواجبات التي تجب عليه.