الله سبحانه وتعالى يقول “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً” (سورة المائدة: 48)، إن القرآن الكريم كتاب يَرِدُ على محتواه الفيّاض عددٌ لا يحصى من الناس لأجل عدد لا يحصى من العلم والمعرفة، ولا ينجذب إليه إلا الحريصين على فهم هذا الكتاب ومعرفة مقاصده وتوجيهه للناس في كافة مناحي الحياة ومسائلها، وينجذب إليه كل من يريد أن يفهم القرآن الكريم.

 

منهج الدراسة التفصيلية الشاملة للقرآن الكريم

 

مشكلة العالم المسلم اليوم في منهج المعرفة الذي يوصل إلى التدبر وتفتيح القلوب والعقول، ليكونوا في مستوى معرفة القرآن، ولكي يتخلصوا من الحال التي استنكرها عليهم القرآن: “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (سورة محمد: 24)، فلذلك إن الذي يريد أن يعرف القرآن عليه التفكير في أعماقه ومعانيه فلا يكفيه أن يدرسه أكثر من مرة، فعليه أن يقبل عليه في كل مرة من وجهة جديدة.

 

والذين يرغبون في دراسته على نهج قويم وسليم عليهم أن يستوعبوا قراءته في ختمتين كحد أدنى، لكي يرسخ في أذهانهم، ولنا في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قدوة حسنة في ذلك، فكانوا أشد الناس حرصاً على تعلم القرآن فهماً وتلاوتاً ومعرفة مقاصده فكيف لا وقد نزل بلسان عربي مبين وقد ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله فقال: “ولم يكن للصحابة كتابٌ يدرسونه وكلامٌ محفوظ يتفقهون فيه إلاَّ القرآن وما سمعوه من نبيهم -صلى الله عليه وسلم- ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك”.

 

وقياساً على ذلك يجب دارسة القرآن الكريم وأن يُدوّن جميع تعاليم القرآن الكريم في كل مسألة من مسائل الحياة من عقيدة وأخلاق وحقوق وواجبات، والسياسة والاقتصاد والتشريع ونظام الحرب والمهادنة، ونظام الجماعة، لكي يكون على بينة واضحة على أي شكل يتكون هذا الكتاب الحكيم في كل شعبة من شعب الحياة الإسلامية.

 

منهج دراسة مسألة معينة بالاستعانة بالقرآن الكريم

 

إذا أراد أي شخص أن يعرف وجهة نظر القرآن الكريم في مسألة من مسائل الحياة فالأفضل أن يبحث ما كتب فيها قديماً وحديثاً، وأن يحدد بوضوح النواحي الأساسية التي أرادتها هذه المسألة، فإذا حقق ذلك فله أن يدرس القرآن بعد أن يضع أمامه الجوانب التي تتطلب الحلول في هذه المسألة، فإن الإنسان إذا درس القرآن باحثاً عن مسالة معينة، فسيفاجأ بالأجوبة على أسئلته في آيات قد قرأها مرات عديدة بل لم يخطر على باله بأن هذه الآيات تكمن فيها هذه الردود.

 

الشروط الأساسية لدارس القرآن الكريم

 

القرآن الكريم لم يُنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- لمجرد التلاوة فقط، بل من أجل هذا ومن أجل ما هو أعم وأكمل، وهو فهم آياته ثم العمل بما فيها، وهو المعروف بها في قوله تعالى :”رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ” (سورة البقرة: 129)، فهو ليس مجرد كتاب يحتوي على نظريات وأفكاراً حتى تدرسه وأنت جالس ثم تفهم جميع مطالبه، فهو كتاب دعوة وحركة، وما إن نزل حتى أخرج رجلاً من بطحاء مكة، سليم القلب والفطرة، كريم الشيم و الأخلاق.

 

هذا الكتاب الكريم قام بتوجيه الحركة الإسلامية التي بدأت صرختها من فرد واحد وانتهت بإقامة الخلافة الربانية في الأرض، بل أنه بنى الحضارة الإسلامية كيف لا وهو المنهج الحق، ولا نستطيع أن نفهم مطالب القرآن الكريم ومعانيه إلا حين تدبر هذا الكتاب الكريم ونبدأ بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تكون خطواتنا كما يوجهنا وكيفما يعلمنا.

 

في النهاية لا يستطيع الإنسان أن يدرك المغزى الحقيقي لأحكام وتعاليم القرآن الكريم الخُلقية وتوجيهاته المدنية والاقتصادية ومبادئه ونظمه ما دام لا يطبقها في نواحي حياته.