من الشائع اعتبار جون لانجشو أوستن بأنّه فيلسوف اللغة العادية إلى جانب بعض الفلاسفة مثل جيلبرت رايل وبيتر فريدريك ستراوسون ولودفيج فيتجنشتاين، ومع ذلك على الرغم من أنّ كل من هؤلاء المفكرين كان مهتمًا في بعض الأحيان بطريقة أو بأخرى باستخدامنا للغة العادية، إلّا أنّه من غير الواضح ما الذي من المفترض أن تتضمنه التسمية بالإضافة إلى ذلك، ومن غير الواضح بنفس القدر أنّ المفكرين المختلفين على هذا النحو يستحقون أن يتم تجميعهم معًا.

 

مقاربة أوستن الفلسفية:

 

زود أوستن بما اعتبره مقاربة آمنة بشكل معقول للأسئلة الفلسفية العامة من حيث:

 

  • البحث عن صلة بين تلك الأسئلة الفلسفية العامة والمطالبات أو الأحكام الأكثر تحديدًا التي نتخذها عادةً ونأخذ أنفسنا بأمان في اتخاذها.

 

  •  القيام بعمل عدد كافٍ من الادعاءات أو الأحكام ذات الصلة، وفي مجموعة متنوعة من الظروف من أجل معالجة الأسئلة الفلسفية العامة.

 

رأى أوستن أنّ الفلاسفة في عجلة من أمرهم لمعالجة الأسئلة الفلسفية العامة، ويميلون إلى تجاهل الفروق الدقيقة التي ينطوي عليها صنع وتقييم الادعاءات والأحكام العادية، ومن بين المخاطر المرتبطة بعدم الحساسية للفروق الدقيقة يبرز اثنان:

 

  • قد يفقد الفلاسفة الفروق التي يتم إجراؤها في استخدامنا العادي للغة والتي تتعلق بمخاوفنا وادعاءاتنا.

 

  •  يمكن للفشل في الاستغلال الكامل لموارد اللغة العادية أن يجعل الفلاسفة عرضة للاختيارات القسرية على ما يبدو بين البدائل غير المقبولة.

 

من وجهة نظر أوستن من المرجح أن تكون اللغة مصممة جيدًا للأهداف التي يتم وضعها في المعتاد، ولكن الحالات الخاصة أو المعقدة بشكل خاص قد تتطلب معالجة خاصة، ومن المناسب أن تكون مسؤولية خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة ما إذا كان يمكن استخدام جملة في ظرف معين لتوضيح شيء صحيح أو خطأ.

 

فلسفة أوستن في اللغة:

 

لخص أوستن وجهة نظره حول دور الانتباه إلى اللغة العادية في الفلسفة على النحو التالي:

 

  • الكلمات هي أدواتنا وكحد أدنى يجب أن نستخدم أدوات نظيفة: حيث يجب أن نعرف ما نعنيه وما لا نعنيه، ويجب أن نسلح أنفسنا ضد الفخاخ التي تضعها لنا تلك اللغة.

 

  •  الكلمات ليست حقائق أو أشياء (إلّا في ركنها الصغير): لذلك نحتاج إلى إبعادها عن العالم وإبعادها عنه وضدها، حتى نتمكن من إدراك عيوبها وتعسفها ويمكننا إعادة النظر إلى العالم بدون وميض.

 

  • النقطة الثالثة والأكثر أملًا هي أنّ مخزوننا المشترك من الكلمات يجسد كل الفروق التي وجدها الرجال تستحق الرسم: والصلات التي وجدوا أنّها تستحق صنعها في حياة العديد من الأجيال ومن المحتمل أن تكون هذه بالتأكيد أكثر صحة، حيث أنّهم وقفوا حتى الاختبار الطويل للبقاء للأصلح والأكثر دقة على الأقل في جميع الأمور العادية والعملية بشكل معقول.

 

يرى أوستن إذن أنّ تمهيدًا مهمًا للتفلسف حول بعض الموضوعات على الأقل، على سبيل المثال عندما يكون الموضوع عاديًا وعمليًا بشكل معقول فإنّه سيكون الدراسة التفصيلية للغة التي نستخدمها للتحدث حول هذا الموضوع هي الطريقة التي نستخدمها بها.

 

لم يعتقد أوستن أنّ التحقيق في اللغة كان أكثر من مجرد تمهيد للتنظير سواء في الفلسفة أو العلوم، ولم يكن ينفر من بناء النظرية حتى لو كانت نتيجتها مراجعة محتملة، وكان قلقه هو أنّ مثل هذا التنظير يجب أن يقوم على أسس صحيحة وأنّه لا ينبغي أن يكون مدفوعًا، على سبيل المثال بفشل أولي في تتبع الفروق التي نحددها في استخدامنا المعتاد للغة.

 

من العدل أن نقول إنّ عمل أوستن وقع في خضم التدافع بعيدًا عن المقاربات اللغوية العادية في التعامل مع الأسئلة الفلسفية، ولعب عمل بول جريس الذي تم جمعه في دراساته في طريق الكلمات (1989) دورًا مهمًا في التقييم السلبي لمثل هذه الأساليب بما في ذلك جوانب عمل أوستن.

 

تتمثل إحدى الأفكار المركزية في عمل جريس في أنّ الطرق التي نستخدم بها اللغة، وذلك بطريقة فجة مثل أزواج المواقف والجمل التي نجدها مناسبة أو غير مناسبة، أو ما قد نقوله أو لا نقول في تلك المواقف، وليست وظيفة بسيطة لطبيعة المواقف المعنية وشروط الصحة التي ترتبط بها الجمل، وبدلاً من ذلك فإنّ الأحكام المتعلقة بالملاءمة تكون مدفوعة أيضًا، على سبيل المثال بحساسياتنا لمتطلبات التعاون العقلاني مع شركائنا في المحادثة.

 

وقد ساد الاعتقاد بطريقة أو بأخرى أنّ فلاسفة اللغة العادية بما في ذلك أوستن، كانوا غير حساسين للمعايير الإضافية التي تدين بها أحكام الملاءمة، وإنّه خارج نطاق هذا المدخل لمحاولة تقييم المدى الذي يجب أن يُنظر إليه حقًا على أوستن كهدف لمثل هذه الاعتراضات أو إذا كان يجب عليه ذلك، وما إذا كانت تظهر نقاط ضعف في عمله.

 

ومع ذلك في متابعة أي تقييم من هذا القبيل من المهم أن نلاحظ أنّ استغلال أوستن للغة العادية لا يكون مدفوعًا أبدًا بالاستئناف البسيط لما إذا كان في موقف يعتبر ككل، وسنعتبر أنّه من المناسب أو غير المناسب استخدام جملة أو أخرى، وبدلاً من ذلك فإنّ أوستن -كما نحن- حساس تجاه التقييمات الدقيقة لاستخدامات أجزاء من اللغة، وعندما يرى أنّ النطق في مناسبة ما سيكون خاطئًا أو غير منطقي، فإنّه يعتزم أن يتناقض هذا الحكم مع التقييمات السلبية الأقل ضررًا، على سبيل المثال حول ما سيكون من غير المناسب أو غير المهذب قوله.

 

علاوة على ذلك فإنّ أوستن حساس للسمات المحددة للمواقف التي نبني عليها تقييمًا أكثر دقة لاستخدامات الجمل، كما أنّ أوستن حساس لتفاصيل كل من المشاركين في ذلك وأشكال المعاملات الأخرى بين الكلمة والعالم.

 

أوستن وأهمية اللغة:

 

اهتم أوستن باللغة لسببين رئيسيين:

 

  •  يعد استخدام اللغة جزءًا أساسيًا من النشاط البشري لذا فهي موضوع مهم بحد ذاته.

 

  •  تعد دراسة اللغة مساعدًا، وفي الواقع لبعض الموضوعات تمهيدي مهم لمتابعة الموضوعات الفلسفية.

 

حيث تنشأ العديد من تأملات أوستن الأكثر تميزًا حول استخدام اللغة أثناء مناقشة الموضوعات الأخرى، وقد أوضح ستيوارت هامبشاير أحد الطرق لفهم نهج أوستن العام للفلسفة، حيث كان أوستن غير قادر من الناحية الدستورية على الامتناع عن تطبيق نفس معايير الحقيقة والدقة على حجة فلسفية جملة تلو الأخرى، كما كان سيطبق على أي موضوع جاد آخر، ولم يكن بإمكانه تبني نبرة صوت خاصة أو موقف ذهني بالنسبة للأسئلة الفلسفية.

 

باختصار كان من المهم بالنسبة لأوستن أنّه في محاولة تحديد المواقف والحجج، يجب على الفلاسفة تلبية المعايير العادية للحقيقة والدقة وما إلى ذلك، ومن ناحية شكل هذا تحديًا عامًا للفلاسفة وهو تحد قد يفشلون في مواجهته بسهولة، فالتحدي هو إما استخدام مفردات عادية أو مفاهيم عادية من أجل تقديم مطالبات أو أحكام وفقًا للمعايير العادية على الأقل صحيحة أو دقيقة، أو للقيام بالعمل الجاد المطلوب لإعداد مفردات تقنية مناسبة ثم استخدامها لقول الأشياء التي تكون وفقًا للمعايير المناسبة صحيحة ودقيقة.