اقرأ في هذا المقال

يُعتبر المؤلف والأديب أليكسي تولستوي وهو من مواليد دولة روسيا من أهم وأبرز الكُتاب الذين برزوا في كتابة الروايات التاريخية والقصص القصيرة، وقد كان يطغى على مؤلفاته أسلوب الخيال العلمي، ومن أهم القصص التي اشتهر بها هي قصة ما بعد المعركة.

 

قصة ما بعد المعركة

 

في البداية كانت تدور وقائع وأحداث القصة حول أحد الجنود المحاربين الذي يدعى إيجور دريموف وهو من الأشخاص الذين يمتازون بالاتزان والوقار والحكمة، وكانت ملامح وجهه لا تدل على مرحلة الشباب التي يعيشها بل كانت تظهر في وجهه التجاعيد وكأنه في مرحلة الشيخوخة، كان إيجور يحب أمه والتي تعرف باسم ماريا بوليكا حباً شديداً، كما كان كذلك يحب أبيه الذي يدعى إيجور إيجونوفقش، فقد كان على الدوام في سيرة والده ويخبر الجميع أنّ والده رجل يكن احترم كبير لنفسه وفي كثير من الأحيان كان يعلمه كيف له أن يكون مفتخر بأصوله الروسية.

 

وكان إيجور خاطب فتاة من ذات المدينة الصغيرة التي يعيش فيه، كان الحديث الذي يدور بينه وبين الجنود في الميدان وبين فترات الاستراحة من القتال عن الزوجات والحبيبات، كما يتطرقون للحديث عن الملاجئ وهم في مكان أمن يحميهم من البرد القارس في الخارج، ففي كل ناحية من ذلك الموضوع كان الأساس في علاقة الحب والاحترام والحب مجرد عادة في الإنسان في كيفية توزيع حبه بين زوجته وأبيه وأمه.

 

وفي أحد المرات يبدأ أحد الجنود بالحديث عن الحب أنه يبدأ ذلك الشعور داخل الشخص حينما يفور دمه، وأشار إلى أنّ شعور العاشق كشعور الإنسان الذي يكون فاقد وعيه، وكان الحديث يستمر لعدة ساعات ولا ينتهي إلا حينما يأتي أمر من أحد الضباط، كان أيجور لا يشترك في تلك الأحاديث بشكل كبير ودائم، إذ كان يتحدث في ذلك الموضوع بين الحين والآخر، وإذا اضطر على الإشارة لخطيبته يشير بشكل غير مباشر للجميع، فعلى سبيل المثال كان يقول فتاة طيبة، ولا يتطرق إلى الكلام عن مغامراته التي يخوضها أثناء الحرب، فقد كان إيجور محارب من الدرجة الأولى وبقي على هذا الحال يحارب إلى أن أقعده سوء حظه، وقد كانت تلك الحادثة في معركة تعرف باسم معركة كيسرسك حيث كان النصر في بداية الأمر للجنود الألمان.

 

في بداية المعركة كان قد دخل إيجور بدبابته، وأول ما خاض المعركة سرعان ما تم قتل اثنين من الجنود معه، وفي تلك اللحظة أضرمت النار في الدبابة وهنا على الفور قام السائق بالهروب من الدبابة والنجاة بحياته إلى أقرب مكان آمن، وعلى أثر ذلك أصيب الملازم إيجور بمجموعة من التشوهات الخلقية في منطقة الرأس وسرعان ما تم نقله إلى المستشفى، حيث بقي في المستشفى ما يقارب الثمانية أشهر يتلقى العلاج.

 

حينها قام الأطباء بإجراء العديد من العمليات المتتالية؛ من أجل محاولة إعادة أنفه وشفاهه وأذنيه على ما كانت عليه في السابق، وبعد إجراء العديد من العمليات قرر الأطباء نزع الأربطة عن منطقة الوجه، وهنا كان وجهه قد تغيرت ملامحه بشكل كامل، فلم يعد ذلك الشخص الذي يشبه الصورة التي كان عليها في السابق، وهنا رضي بقدره وشكر الله أنه ما زال على قيد الحياة، فقد كان من الممكن أن تكون المصيبة أكبر مما هو الحال عليه، ولكنه كان راضياً ما دام أنه على قيد الحياة ، وفي ذلك الوقت تم تسريحه من الخدمة العسكرية بناءً على التقارير الطبية.

 

ولكن لم يرغب إيجور في ذلك، وهنا ذهب لقائده حتى يسمح له بالعودة إلى الخدمة العسكرية وقد أخبره القائد العسكري أنه أصبح غير قادر، فأجاب إيجور أنه ما اختلف به هو المظهر الخارجي لملامح وجهه وما علاقة ذلك بالقتال، أثناء الحديث بينه وبين القائد كان القائد يتجنب النظر إلى وجهه، وافق على إعادة إلحاقه ضمن الجنود لكنه في البداية منحه أجازه لمدة ثلاث أسابيع.

 

وهنا ذهب إيجور لقضائها في المنزل، شاهد وطنه الصغير على ما يرام وكانت الطيور تغرد على الأشجار، وعند اقترابه من المنزل أصبح يعتريه الخوف من الدخول وأخذ في رؤية والدته من شباك البيت، وأخذ يردد في نفسه أنه يا ليته كتب لها رسالة قبل مجيئه وأخبرها بما كان يحدث معه ومهد أمامها رؤية المنظر المشوه في وجهه، إذ خاف من مواجهتها بذلك المنظر.

 

ومن هنا بدأ بطرق باب المنزل وعرف على نفسه أنه الملازم جرينوف وهو أحد أبطال الاتحاد السوفيتي، لم تقوى والدته على تميز صوته وسألت الأم عن طلبه، فأجاب: أنه يحمل في جعبته رسالة إلى السيدة ماريا بوليكا ديوقنا من ولدها الملازم أول إيجور، ولما سمعت ذلك سرعان ما ضمته إلى صدرها ورددت إن ابني مازال على قيد الحياة، عزمت عليه بالدخول، دخل وجلس على المائدة بدأت الأم بمخاطبته بكلمة يا أعز الناس لدي وهنا بدأ يدلي لها بأخبار عن ابنها أنه سعيد وبخير وبعد مرور أيام قليلة وصل أبيه والذي كان أكبر مما كان عليه.

 

وفي تلك الأثناء أخذ إيجور يفكر أحقًا أن والدته لم تتمكن من معرفته، وفي صباح اليوم التالي أفاق من نومه على صوت تقطيع الحطب إذ شاهد والدته مرهقة من عملها، فهب في مساعدتها وبعد أن أتم عمله أخذ بتنظيف حذائه ووضعه في مكانه نظرت إلى تصرفه ذلك بتحديق شديد إذ كان نفس سلوكيات ابنها.

 

وهنا سألته أمه إذا كان يحب الجبن مع البسكويت، بعد أن جلس على مائدة الطعام فقد كانت أكلته المفضلة، قال لوالدته أن إيجور طلب منه أن يبلغ سلام إلى الفتاة كاتيا وسأل فيما إذا كانت ما زالت تسكن بالقرب منهم، فأجابته: نعم فقد أتمت المرحلة الدراسية السنة الماضية، وأسرعت في دعوتها لمقابلته جاءت كاتيا مسرعة جراء سماعها لذلك الخبر ووقفت أمامه وقالت له: هل جئتني بأخبار عن إيجور أخبره أنني انتظره كل يوم، وعند عودته إلى المعسكر كان أصدقائه يهتمون به لدرجة كبيرة وصار يأكل ويشرب ويضحك مثلهم بكل فرح وسرور.

 

وعزم إيجور على إخفاء أمر تشوه وجهه عن والدته، بينما الذكريات التي كانت تجمعه بكاتيا فقرر أن يخرجها من ذاكرته، وبعد أسبوعين وصلت له رسالة من والدته وبعد تحيته قالت له حبيبي كنت أتردد كثيراً لأني لم أعد أعلم بأي شيء أفكر، لقد وصل إلينا شخص قال أنه من طرفك ولقد كان شاب لطيف جدًا، ولكن ملامح وجهه مخيفة جداً وكأن يرغب أن يبقى أكثر قليلًا، لكنه عدل عن ذلك بشكل مفاجئ.

 

ومنذ تلك اللحظة لم أخلد إلى النوم، كنت أشعر أن هذا الشاب هو أنت، بينما أبيك يقول أنني مصابة بالجنون، وعند قراءته للرسالة كانت الدموع تذرف من عينيه، وهنا رد على الرسالة بقوله والديّ العزيزين لقد كان ذلك الشاب ابنكم أنا، وبعد أيام قليلة استدعاه القائد إلى مكتبه وقال له هناك سيدة عجوز وصبية جميلة يريدان مقابلتك، وعند مشاهدته لوالدته أخذت بضمه بشدة، وهنا قالت كاتيا له أرغب في تكملة بقية حياتي معك، فلا تبتعد عني بعد الآن.

المصدر:

Post-Battle Story