كان الفيلسوف أبو يعقوب السجستاني أولاً وقبل كل شيء عضوًا في البعثة الإسماعيلية السرية كما تُعرف باللغة العربية، والتي كانت تعمل في مقاطعة خراسان وسجستان الإيرانية خلال القرن العاشر، وفي الجزء الأخير من حياته كان السجستاني أو أصبح من أنصار الأئمة الفاطميين، ثم حكم من مقارهم البعيدة في شمال إفريقيا.

 

المنظور العام لفلسفة السجستاني:

 

كان السجستاني يستوحي بشدة من الكواكب الحديثة، وطوّر علم الكونيات والميتافيزيقيا الخاص به مفهومًا عن الله باعتباره المفهوم الذي يتجاوز الوجود والعدم، فالله ليس جوهرًا وليس عقلًا ولا ضمن الفئات التي تتعلق بالكون المخلوق بأي شكل من الأشكال، والعقل هو أول كائن موجود أوجده الله كوحدة لا تتجزأ.

 

على عكس العديد من الفلاسفة الإسلاميين الآخرين يصّر السجستاني على أنّ العقل لا يفرق، ويبقى العقل كليًا وعالميًا، فالعقل واحد فقط يولّد الروح من خلال موكب، ولذلك تقع الروح في جانبها الأعلى داخل الأفق السفلي للعقل بينما جانبها السفلي هو الطبيعة، وهي كائن شبه أقنوم بين العالم الروحي والمادي، والهدف من الدين والنبوة هو إعادة توجيه الروح نحو الذات العليا الحقيقية والعودة في النهاية إلى حالتها الأصلية.

 

حياة السجستاني:

 

السجستاني كان عضوًا في البعثة الإسماعيلية السرية، والتي عملت في مقاطعة خراسان وسجستان الإيرانية خلال القرن العاشر، ولا بد من النظر إلى أنشطته والأعمال التي كتبها في هذا السياق، حيث كان من أنصار قضية دينية وسياسية محددة تضمنت استعادة المذهب الشيعي كقوة مهيمنة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، بالإضافة إلى ذلك كان السجستاني مدافعًا مهمًا عن المذاهب الفلسفية التي اعتمدت بشكل كبير على تيار الأفلاطونية الحديثة ثم تداولها في الدوائر الفكرية بمختلف أنواعها في المراكز الرئيسية للدراسات الإسلامية.

 

للسبب الأخير بشكل عام ولتعلقه الواضح في كتاباته الفلسفية بشكل نقي إلى حد ما من هذا الفرع من الفكر القديم فقد حصل على مكانة مهمة في تاريخ الفلسفة، على الرغم من أنّه هو نفسه كان سيصر على أنّه لم يكن فيلسوف، وكذلك بالرغم من أنّه مذكور في كل من المصادر الإسماعيلية وغير الإسماعيلية، إلّا أنّ كمية المعلومات التي بقيت على قيد الحياة نادراً ما تكون كافية.

 

يظهر تفصيلان مهمان من أحد أعماله المتأخرة عندما كان في بغداد عام 934 بعد أن عاد لتوه من الحج إلى مكة، وكذلك عمله في حوالي عام 971 أو عام 972 حيث ألّف هذه الرسالة نفسها والذي بعد ذلك بقليل مات شهيدًا، والحقيقة الإضافية عنه هي لقب (بذرة القطن) الذي سجله العديد من المراقبين في صيغته العربية والفارسية.

 

بحلول الوقت الذي كتب فيه (أو نقح) أعماله الموجودة الآن، وكان السجستاني مؤيدًا للأئمة الفاطميين أو أصبح كذلك، ثم حكم من مقارهم البعيدة في شمال إفريقيا، ومع ذلك تشير التلميحات في أعماله ومعلومات أخرى إلى أنّه ربما كان ينتمي في وقت سابق إلى جناح منشق عن الحركة الإسماعيلية، كما كان الحال مع اثنين على الأقل من أسلافه الفلسفيين في إيران، وبناءً على ذلك فإنّ الأعمال التي كتبها قبل قبوله للفاطميين كأئمة كانت ستُعتبر كاذبة من الناحية العقائدية وقد تم التخلي عنها ما لم تتم مراجعتها وبالتالي لم تستمر.

 

تأتى كتابات السجستاني من فترة في التاريخ لها أهمية دراماتيكية في تطور الفكر الإسلامي، حيث تبلورت اتجاهات عديدة في الفلسفة الإسلامية وفي اللاهوت أو القانون أو الصوفية أو قضايا التنافس الطائفي فقط خلال القرن الرابع أو العاشر عندما عاش وعمل هذا المنظر الإسماعيلي البارز، كما كان عصر الإنجازات القوية للشيعة ولا سيما للإسماعيليين، حيث جيل واحد قبل السجستاني كانوا حركة سرية غير معروفة إلى حد كبير، وبحلول نهاية حياته امتلكوا إمبراطورية شاسعة من القوة السياسية والروحية.

 

السجستاني والأفلاطونية الحديثة:

 

من المؤكد أنّ كل ما هو متاح الآن ليس كاملاً وهناك واحد موجود فقط في إعادة صياغة فارسية لاحقة من العربية الأصلية (المفقودة)، فالطبعات والترجمات النقدية قليلة العدد، وعلاوة على ذلك فإنّ المحتوى الفلسفي في بعض الأعمال يفوق بكثير محتوى البعض الآخر، وكان من عادة السجستاني أن يجمع مادته في سلسلة من الفصول الموضعية، والتي غالبًا ما تكون منفصلة عن بعضها البعض، وأن يخلط التعاليم العقائدية الإسماعيلية بالفلسفة في أقسام قصيرة بالتناوب ولكن في أغلب الأحيان غير متداخلة.

 

لذلك غالبًا ما تظهر الأفلاطونية الحديثة في ما كتبه منفصلة -وإن لم يكن دائمًا- عن اهتماماته الدينية بشكل أكثر تحديدًا، وهكذا يصبح موقفه الفلسفي واضحًا فقط في أجزاء من أعماله، ولا سيما فصول معينة من كتابه مثل: الينابيع والمفاتيح وإثبات النبوءة وكشف المخفي.

 

الخلفية الأفلاطونية الحديثة لفكر السجستاني معقدة إلى حد ما، وفي وقت مبكر من منتصف القرن السابق تمت ترجمة العديد من النصوص المهمة أو أجزاء منها من اليونانية إلى العربية، بما في ذلك اللاهوتية المنتشرة على نطاق واسع والتي تسمى أحيانًا لاهوت أرسطو، وكان البعض الآخر نسخة أطول من هذه اللاهوتية نفسها وهي (خالٍ من السبب) (Liber de reasonis)، وعمل ديوكسوغرافي (وهو مفهوم يستخدم للمؤرخين الكلاسكيين الذين يصفون وجهات نظر الفلاسفة والعلماء السابقين) والذي يحمل اسم أمونيوم زائف( Pseudo-Ammonius).

 

تحتوي اللاهوت في أغلب الأحيان على مقاطع من أفلوطين من التاسوعات من الرابع إلى السادس، ويعتمد (خالٍ من السبب) في النهاية على عنصر اللاهوت لبروكلوس، وكل هذه النصوص وغيرها كانت متاحة للفلاسفة الإسماعيليين -وغيرهم من المفكرين الإسلاميين- في بداية القرن العاشر، حيث كان لدى العالم الإسلامي وقت في ذلك الوقت لهضم هذه المادة جيدًا والبدء في صياغة مختلف المذاهب المحددة التي تم التعبير عنها فيها.

 

من موقعه بعد جيل أو نحو ذلك جاء السجستاني إلى الأفلاطونية الحديثة من داخل تقليد إسلامي ناشئ منها بقدر ما جاء من مواجهته الأولية مع نصوص يونانية فردية معينة (أو يونانية زائفة)، والتي تعكس كتاباته بالتالي فقط ثانوي.

 

ومع ذلك فإنّ التأثيرات الأفلاطونية الحديثة الرئيسية في فكر السجستاني تشمل علم الكونيات والميتافيزيقا التي تلتزم بشكل وثيق بالعقائد الهامة لأفلوطين، ومن بينها مفهوم صارم للغاية عن الله باعتباره الشخص الذي يتجاوز الوجود والعدم،

 

على الرغم من أنّه يمكن ملاحظة الخطوط العريضة للأفكار الأفلاطونية الحديثة القياسية في فكر السجستاني إلّا أنّ هناك فضولًا لا يبدو أنّه ينتمي، ويعد أحدهما هو عقيدته بأنّ الله يخلق بأمر إرادي أي بإصدار أمر ليكون، وتتضمن فكرة أخرى وهي فكرة أنّ الخلاص وذلك باستعادة روحانيتها في الروح هو تطور تاريخي يتقدم خطوة بخطوة في أعقاب دورات الوحي النبوي والقوانين الدينية التي يؤسسها كل نبي مشرّع بدوره.