يتساءل الكثيرون عن أصول بعض الأمثال العربية، فالمثل هو حكاية شعرية أو نثرية تبين بعضًا من المبادئ الثقافية، كما أن الأمثال تقدم لنا بعضًا من الدروس والعبر.

الاستخدام الخاطئ لمثل غيض من فيض:

في كثير من الأحيان يستخدم الناس هذا المثل في كلامهم، غير أن بعضهم يُخطئ فيقلبها، الأمر الذي يؤدّي إلى إفساد معنى المثل، وعدم تناسقه مع السياق ومصادمته للمراد، فالبعض يقولون: هذا فيض من غيض، وهذا خطأ، وأما الصواب أن يقال: هذا غيض من فيض، لأن كلمة غيض تعني “قليل”، وكلمة فيض تعني “كثير “، فيكون معنى الجملة: هذا قليل من كثير، أي هذا بعض من كلّ.

قصة مثل غيض من فيض:

يُحكى أن رجلًا قد لجأ إلى صديق له لحاجة، فدخل عليه فرحب صديقه به ترحيبًا حارًّا، وأجلسه إلى جانبه، وبات ليلته عنده، وبعد تناول وجبة العشاء جلسا يتسامران، وفي صباح اليوم التالي أحضر له فطوره وتناولا الطعام معًا، وقبل أن يودعه، سأله صاحب البيت: أولك حاجة تريد أن أقضيها لك؟ فأجابه: نعم، لقد اقترضت مبلغًا من المال من أحد المرابين، وقد أثقل كاهلي، واقترب موعد تسليمه، والمبلغ ليس متيسرًاعليّ، فسأله صديقه عن حجم المبلغ المدين به، فأجاب الرجل: مائة دينار، فقام الصديق ودخل البيت، وجلب له مئتي دينار وسلمه إياه.


فرح الرجل بكرم صديقه وإغاثته له، وشكره، ولما قام بعدّ المبلغ وجده بقدر أكثر مما طلب، فاستغرب، وقال: هذا المبلغ أكثر مما طلبته منك، ولا حاجة لي بالمبلغ المتبقي، وأخذ يعدّ المبلغ بغرض إرجاع الزائد عن حاجته من المال الذي طلبه، أمسك الصديق بيد الرجل وقال له: أرجعه وضعه في جيبك، فوالله، هذا غيض من فيض، أي أن هذا المبلغ الذي أعطيتك إياه، ما هو إلا قليل من كثير، وذهب قوله مثلًا يضرب للكريم الذي ينفق قليلًا من كثير.

استخدامات أخرى لمثل غيض من فيض:

اتسع استخدام الناس للمثل، إذ صار يُضرب فيمن يتكلم ويدخل في تفصيلات كثيرة، ويتشعب في حديثه فيشد انتباه المستمعين له، الأمر الذي يدعو إلى استغرابهم على ما يمتلكه من قدرة على الحديث، واتساع في المعلومات، ويشار إليه بأن ما يمتلكه هذا المتحدث، ما هو إلا غيض من فيض، وذلك من باب التشبيه له بماء البحر في حالة المدّ، فإن ما يخرج منه من ماء، قياسًا مع مائه الحقيقي، ما هو إلا قليل جدًّا.